تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
ووجود المقدرة . وقال ربيعة ، والنخعي ، وقتادة ، وعطاء ، والثوري ، الطول : الصبر والجلد على نكاح الحرائر . ووقع لمالك في كتاب محمد : أنّ الذي يجد مهر حرّة ولا يقدر على نفقتها ، لا يجوز له أن يتزوّج أمة ، وهذا ليس لكون النفقة من الطول ولكن لأنّ وجود المهر طول ، والنفقة لا محيص عنها في كليهما ، وقال أصبغ : يجوز لهذا أن يتزوّج أمة لأنّ نفقة الأمة على أهلها إن لم يضمّها الزوج إليه ، وظاهر أنّ الخلاف في حال . وقوله :
أَنْ يَنْكِحَ
معمول ( طولا ) بحذف ( اللّام ) أو ( على ) إذ لا يتعدّى هذا المصدر بنفسه . ومعنى
أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ
أي ينكح النساء الحرائر أبكارا أو ثيّبات ، دلّ عليه قوله :
فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
. وإطلاق المحصنات على النساء اللاتي يتزوجهنّ الرجال إطلاق مجازي بعلاقة المآل ، أي اللائي يصرن محصنات بذلك النكاح إن كنّ أبكارا ، كقوله تعالى :
قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً
[ يوسف : 36 ] أي عنبا آئلا إلى خمر ؛ أو بعلاقة ما كان ، إن كنّ ثيّبات كقوله :
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ
[ النساء : 2 ] وهذا بيّن ، وفيه غنية عن تأويل المحصنات بمعنى الحرائر ، فإنّه إطلاق لا تساعد عليه اللغة ، لا على الحقيقة ولا على المجاز ، وقد تساهل المفسّرون في القول بذلك . وقد وصف المحصنات هنا بالمؤمنات ، جريا على الغالب ، ومعظم علماء الإسلام على أنّ هذا الوصف خرج للغالب ولعلّ الذي حملهم على ذلك أنّ استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول ، إذ لم تكن إباحة نكاحهنّ مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات ، وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطا بالعجز عن الحرائر المسلمات ، فحصل من ذلك أن يكون مشروطا بالعجز عن الكتابيات أيضا بقاعدة قياس المساواة . وعلّة ذلك أنّ نكاح الأمة يعرّض الأولاد للرقّ ، بخلاف نكاح الكتابية ، فتعطيل مفهوم قوله :
الْمُؤْمِناتِ
مع
الْمُحْصَناتِ
حصل بأدلّة أخرى ، فلذلك ألغوا الوصف هنا ، وأعملوه في قوله :
مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
. وشذّ بعض الشافعية ، فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة بالعجز عن الحرّة المسلمة ، ولو مع القدرة على نكاح الكتابية ، وكأنّ فائدة ذكر وصف المؤمنات هنا أنّ الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب المعتبر عنده ، فصار المؤمنات هنا كاللّقب في نحو ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) . والفتيات جمع فتاة ، وهي في الأصل الشابّة كالفتى ، والمراد بها هنا الأمة أطلق