يسمّى السفاح ، مشتقّا من السفح ، وهو أن يهراق الماء دون حبس ، يقال : سفح الماء .
وذلك أنّ الرجل والمرأة يبذل كلّ منهما للآخر ما رامه منه دون قيد ولا رضى وليّ ، فكأنّهم اشتقّوه من معنى البذل بلا تقيّد بأمر معروف ؛ لأنّ المعطاء يطلق عليه السّفّاح .
وكان الرجل إذا أراد من المرأة الفاحشة يقول لها : سافحيني ، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان ، وقيل : لأنّه بلا عقد ، فكأنّه سفح سفحا ، أي صبّا لا يحجبه شيء ، وغير هذا في اشتقاقه لا يصحّ ، لأنّه لا يختصّ بالزنى .
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً
.
تفريع على
أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ
وهو تفريع لفظي لبيان حقّ المرأة في المهر وأنّه في مقابلة الاستمتاع تأكيدا لما سبقه من قوله تعالى :
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً
[ النساء :
4 ] سواء عند الجمهور الذين يجعلون الصداق ركنا للنكاح ، أو عند أبي حنيفة الذي يجعله مجرّد حقّ للزوجة أن تطالب به ؛ ولذلك فالظاهر أن تجعل
( ما )
اسم شرط صادقا على الاستمتاع ، لبيان أنّه لا يجوز إخلاء النكاح عن المهر ، لأنّه الفارق بينه وبين السفاح ، ولذلك قرن الخبر بالفاء في قوله :
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
لأنّه اعتبر جوابا للشرط .
والاستمتاع : الانتفاع ، والسين والتاء فيه للمبالغة ، وسمّى اللّه النكاح استمتاعا لأنّه منفعة دنيوية ، وجميع منافع الدنيا متاع ، قال تعالى :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ
[ الرعد : 26 ] .
والضمير المجرور بالباء عائد على ( ما ) . و ( من ) تبعيضية ، أي : فإن استمتعتم بشيء منهن فآتوهنّ ؛ فلا يجوز استمتاع بهنّ دون مهر .
أو يكون ( ما ) صادقة على النساء ، والمجرور بالباء عائدا إلى الاستمتاع المأخوذ من استمتعتم و ( من ) بيانية ، أي فأي امرأة استمتعتم بها فآتوها .
ويجوز أن تجعل ( ما ) موصولة ، ويكون دخول الفاء في خبرها لمعاملتها معاملة الشرط ، وجيء حينئذ ب ( ما ) ولم يعبر ب ( من ) لأنّ المراد جنس النساء لا القصد إلى امرأة واحدة ، على أنّ ( ما ) تجيء للعاقل كثيرا ولا عكس : و
فَرِيضَةً
حال من
أُجُورَهُنَّ
أي مفروضة ، أي مقدرة بينكم . والمقصد من ذلك قطع الخصومات في أعظم معاملة يقصد منها الوثاق وحسن السمعة .