تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
الجمل الثلاث في الخبرية المراد بها الإنشاء ، وفي الفعلية والماضوية . وقرأ الجمهور :
وَأُحِلَّ لَكُمْ
بالبناء للفاعل ، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة من قوله :
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
. وأسند التحليل إلى اللّه تعالى إظهارا للمنّة ، ولذلك خالف طريقة إسناد التحريم إلى المجهول في قوله :
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
لأنّ التحريم مشقّة فليس المقام فيه مقام منّة . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر :
وَأُحِلَّ
- بضم الهمزة وكسر الحاء - على البناء للنائب على طريقة
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
. والوراء هنا بمعنى غير ودون ، كقول النابغة : وليس وراء اللّه للمرء مذهب وهو مجاز ؛ لأنّ الوراء هو الجهة التي هي جهة ظهر ما يضاف إليه . والكلام تمثيل لحال المخاطبين بحال السائر يترك ما وراءه ويتجاوزه . والمعنى : أحلّ لكم ما عدا أولئكم المحرّمات ، وهذا أنزل قبل تحريم ما حرّمته السّنة نحو ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ) ، ونحو ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) . وقوله :
أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ
يجوز أن يكون بدل اشتمال من
( ما )
باعتبار كون الموصول مفعولا ل
( أُحِلَّ )
، والتقدير : أن تبتغوهنّ بأموالكم فإنّ النساء المباحات لا تحلّ إلّا بعد العقد وإعطاء المهور ، فالعقد هو مدلول
( تَبْتَغُوا )
، وبذل المهر هو مدلول
( بِأَمْوالِكُمْ )
، ورابط الجملة محذوف : تقديره أن تبتغوه ، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة :
مخافة عمرو أن تكون جياده * يقدن إلينا بين حاف وناعل
ويجوز أن يجعل
أَنْ تَبْتَغُوا
معمولا للام التعليل محذوفة ، أي أحلّهن لتبتغوهنّ بأموالكم ، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول . و
مُحْصِنِينَ
حال من فاعل
( تَبْتَغُوا )
أي محصنين أنفسكم من الزنى ، والمراد متزوّجين على الوجه المعروف .
غَيْرَ مُسافِحِينَ
حال ثانية ، والمسافح الزاني ، لأنّ الزنى