تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
موسى وإنكار نبوءته ، لئلّا يدفعهم بغض اليهود وما بينهم وبينهم من الشنآن إلى مقابلتهم بمثل ما يصرّح به اليهود من تكذيب محمد صلى اللّه عليه وسلم وإنكار نزول القرآن ؛ وإمّا أريد به التعريض بالذين يزعمون أنّهم يؤمنون باللّه ورسله ثم ينكرون نبوءة محمد صلى اللّه عليه وسلم وينكرون القرآن ، حسدا من عند أنفسهم ، ويكرهون بعض الملائكة لذلك ، وهم اليهود ، والتنبيه على أنّ المسلمين أكمل الأمم إيمانا ، وأولى الناس برسل اللّه وكتبه ، فهم أحرياء بأن يسودوا غيرهم لسلامة إيمانهم من إنكار فضائل أهل الفضائل ، ويدلّ لذلك قوله عقبه « ومن يكفر باللّه وملائكته وكتبه » ، ويزيد ذلك تأييدا أنّه قال :
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فعطفه على الأشياء التي من يكفر بها فقد ضلّ ، مع أنّه لم يأمر المؤمنين بالإيمان باليوم الآخر فيما أمرهم به ، لأنّ الإيمان به يشاركهم فيه اليهود فلم يذكره فيما يجب الإيمان به ، وذكره بعد ذلك تعريضا بالمشركين . المسلك الثالث : أن يراد بالأمر بالإيمان الدوام عليه تثبيتا لهم على ذلك ، وتحذيرا لهم من الارتداد ، فيكون هذا الأمر تمهيدا وتوطئة لقوله :
وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
، ولقوله :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا
[ النساء : 137 ] الآية . المسلك الرابع : أنّ الخطاب للمنافقين ، يعني : يا أيّها الذين أظهروا الإيمان أخلصوا إيمانكم حقّا . المسلك الخامس : روي عن الحسن تأويل الأمر في قوله :
آمِنُوا بِاللَّهِ
بأنّه طلب لثباتهم على الإيمان الذي هم عليه ، واختاره الجبائي . وهو الجاري على ألسنة أهل العلم ، وبناء عليه جعلوا الآية شاهدا لاستعمال صيغة الأمر في طلب الدوام . والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل الجنس ، والتعريف للاستغراق يعني : والكتب التي أنزل اللّه من قبل القرآن ، ويؤيّده قوله بعده « وكتبه ورسله » . وقرأ نافع . وعاصم . وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف : « نزّل - و - أنزل » - كليهما بالبناء للفاعل - وقرأه ابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو - بالبناء للنائب - . وجاء في صلة وصف الكتاب
الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ
بصيغة التفعيل ، وفي صلة الكتاب
الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ
بصيغة الإفعال تفنّنا ، أو لأنّ القرآن حينئذ بصدد النزول نجوما ، والتوراة يومئذ قد انقضى نزولها . ومن قال : لأنّ القرآن أنزل منجّما بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دفعة واحدة .