تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وقوله
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً
استئناف واقع موقع العلّة لمجموع جملة
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ
: أي إن يكن المقسط في حقّه ، أو المشهود له ، غنيّا أو فقيرا ، فلا يكن غناه ولا فقره سببا للقضاء له أو عليه والشهادة له أو عليه . والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح ، وحراسة العدالة ، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر بالمظاهر التي تستجلب النفوس إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها . وتغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل . وتذهل عنه ، فمن النفوس من يتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره ، يقول في نفسه : هذا في غنية عن أكل حقّ غيره ، وقد أنعم اللّه عليه بعدم الحاجة . ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له ، فيحسبه مظلوما ، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئا ؛ فنهاهم اللّه عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
. وهذا الترديد صالح لكلّ من أصحاب هذين التوهّمين ، فالذي يعظّم الغنيّ يدحض لأجله حقّ الفقير ، والذي يرقّ للفقير يدحض لأجله حقّ الغنيّ ، وكلا ذلك باطل ، فإنّ الذي يراعي حال الغنيّ والفقير ويقدّر إصلاح حال الفريقين هو اللّه تعالى . فقوله :
فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
ليس هو الجواب ، ولكنّه دليله وعلّته ، والتقدير : فلا يهمّكم أمرهما عند التقاضي ، فاللّه أولى بالنظر في شأنهما ، وإنّما عليكم النظر في الحقّ . ولذلك فرّع عليه قوله :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا
فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى ، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى . والغنيّ : ضد الفقير ، فالغنى هو عدم إلى الاحتياج إلى شيء ، وهو مقول عليه بالتفاوت ، فيعرف بالمتعلّق كقوله : « كلانا غنيّ عن أخيه حياته » ، ويعرف بالعرف يقال : فلان غني ، بمعنى له ثروة يستطيع بها تحصيل حاجاته من غير فضل لأحد عليه ، فوجدان أجور الأجراء غنى ، وإن كان المستأجر محتاجا إلى الأجراء ، لأنّ وجدان الأجور يجعله كغير المحتاج ، والغنى المطلق لا يكون إلّا للّه تعالى . والفقير : هو المحتاج إلّا أنه يقال افتقر إلى كذا ، بالتخصيص ، فإذا قيل : هو فقير ، فمعناه في العرف أنّه كثير الاحتياج إلى فضل الناس ، أو إلى الصبر على الحاجة لقلّة ثروته ، وكلّ مخلوق فقير فقرا نسبيا ، قال تعالى :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
[ محمد : 38 ] . واسم
يَكُنْ
ضمير مستتر عائد إلى معلوم من السياق ، يدلّ عليه قوله :
قَوَّامِينَ