تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
جوابا للشرط ، إذ التقدير فإنّه غنيّ عنكم . وتأيّد ذلك القصد بتذييلها بقوله :
وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً
أي غنيّا عن طاعتكم ، محمودا لذاته ، سواء حمده الحامدون وأطاعوه ، أم كفروا وعصوه . وقد ظهر بهذا أنّ جملة
وَإِنْ تَكْفُرُوا
معطوفة على جملة
أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ
فهي من تمام الوصية ، أي من مقول القول المعبّر عنه ب
وَصَّيْنَا
، فيحسن الوقف على قوله
حَمِيداً
. وأمّا جملة
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
فهي عطف على جملة
وَلَقَدْ وَصَّيْنَا
، أتى بها تمهيدا لقوله :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
فهي مراد بها معناها الكنائي الذي هو التمكّن من التصرّف بالإيجاد والإعدام ، ولذلك لا يحسن الوقف على قوله :
وَكِيلًا
. فقد تكرّرت جملة
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
هنا ثلاث مرّات متتاليات متّحدة لفظا ومعنى أصليا ، ومختلفة الأغراض الكنائية المقصودة منها ، وسبقتها جملة نظيرتهنّ : وهي ما تقدّم من قوله :
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً
[ النساء : 126 ] . فحصل تكرارها أربع مرات في كلام متناسق . فأمّا الأولى السابقة فهي واقعة موقع التعليل لجملة
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 116 ] ، ولقوله :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً
[ النساء : 116 ] ، والتذييل لهما ، والاحتراس لجملة
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
[ النساء : 125 ] ، كما ذكرناه آنفا . وأما الثانية التي بعدها فواقعة موقع التعليل لجملة
يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
. وأما الثالثة التي تليها فهي علّة للجواب المحذوف ، وهو جواب قوله :
وَإِنْ تَكْفُرُوا
؛ فالتقدير : وإن تكفروا فإنّ اللّه غنيّ عن تقواكم وإيمانكم فإنّ له ما في السماوات وما في الأرض وكان ولا يزال غنيّا حميدا . وأمّا الرابعة التي تليها فعاطفة على مقدّر معطوف على جواب الشرط تقديره : وإن تكفروا باللّه وبرسوله فإنّ اللّه وكيل عليكم ووكيل عن رسوله وكفى باللّه وكيلا . وجملة
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
واقعة موقع التفريع عن قوله :
غَنِيًّا حَمِيداً
. والخطاب بقوله :
أَيُّهَا النَّاسُ
للناس كلّهم الذين يسمعون الخطاب تنبيها لهم بهذا النداء . ومعنى
يَأْتِ بِآخَرِينَ
يوجد ناسا آخرين يكونون خيرا منكم في تلقي الدين . وقد علم من مقابلة قوله :
أَيُّهَا النَّاسُ
بقوله :
بِآخَرِينَ
أنّ المعنى بناس آخرين غير كافرين ، على ما هو الشائع في الوصف بكلمة آخر أو أخرى ، بعد ذكر مقابل
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 272 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور