تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى » ، وقال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
[ الحشر : 9 ] ويطلق على حرص النفس على الحقوق وقلّة التسامح فيها ، ومنه المشاحّة ، وعكسه السماحة في الأمرين . فيجوز أن يكون المراد بالصلح في هذه الآية صلح المال ، وهو الفدية . فالشحّ هو شحّ المال ، وتعقيب قوله :
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
بقوله :
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ
على هذا الوجه بمنزلة قولهم بعد الأمر بما فيه مصلحة في موعظة أو نحوها : وما إخالك تفعل ، لقصد التحريض . ويجوز أن يكون المراد من الشحّ ما جبلت عليه النفوس : من المشاحّة ، وعدم التساهل ، وصعوبة الشكائم ، فيكون المراد من الصلح صلح المال وغيره ، فالمقصود من تعقيبه به تحذير الناس من أن يكونوا متلبّسين بهذه المشاحّة الحائلة دون المصالحة . وتقدّم الكلام على البخل عند قوله تعالى :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
في سورة آل عمران [ 180 ] . وقد اشتهر عند العرب ذمّ الشحّ بالمال ، وذمّ من لا سماحة فيه ، فكان هذا التعقيب تنفيرا من العوارض المانعة من السماحة والصلح ، ولذلك ذيّل بقوله :
وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
لما فيه من الترغيب في الإحسان والتقوى . ثم عذر الناس في شأن النساء فقال :
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ
أي تمام العدل . وجاء ب ( لن ) للمبالغة في النفي ، لأنّ أمر النساء يغالب النفس ، لأنّ اللّه جعل حسن المرأة وخلقها مؤثّرا أشدّ التأثير ، فربّ امرأة لبيبة خفيفة الروح ، وأخرى ثقيلة حمقاء ، فتفاوتهنّ في ذلك وخلوّ بعضهنّ منه يؤثّر لا محالة تفاوتا في محبّة الزوج بعض أزواجه ، ولو كان حريصا على إظهار العدل بينهنّ ، فلذلك قال
وَلَوْ حَرَصْتُمْ
، وأقام اللّه ميزان العدل بقوله :
فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ
، أي لا يفرط أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة . فظهر أنّ متعلّق
تَمِيلُوا
مقدّر بإحداهنّ ، وأنّ ضمير
فَتَذَرُوها
المنصوب عائد إلى غير المتعلّق المحذوف بالقرينة ، وهو إيجاز بديع . والمعلّقة : هي المرأة التي يهجرها زوجها هجرا طويلا ، فلا هي مطلّقة ولا هي زوجة ، وفي حديث أمّ زرع « زوجي العشنّق إن أنطق أطلّق وإن أسكت أعلّق » ، وقالت ابنة الحمارس :