تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
يقول أنفي لك عان راغم ويقولون : يدي رهن لفلان . وأراد بإسلام الوجه الاعتراف بوجود اللّه ووحدانيته . وقد تقدّم ما فيه بيان لهذا عنا ، قوله تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] وقوله :
وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ
[ البقرة : 132 ] . وجملة « وهو محسن » حال قصد منها اتّصافه بالإحسان حين إسلامه وجهه للّه ، أي خلع الشرك قاصدا الإحسان ، أي راغبا في الإسلام لما رأى فيه من الدعوة إلى الإحسان . ومعنى
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
أنه اتّبع شريعة الإسلام التي هي على أسس ملّة إبراهيم . فهذه ثلاثة أوصاف بها يكمل معنى الدخول في الإسلام ، ولعلّها هي : الإيمان ، والإحسان ، والإسلام . ولك أن تجعل معنى
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
أنّه دخل في الإسلام ، وأنّ قوله :
وَهُوَ مُحْسِنٌ
مخلص راغب في الخير ، وأنّ اتّباع ملّة إبراهيم عني به التوحيد . وتقدّم أنّ
حَنِيفاً
معناه مائلا عن الشرك أو متعبّدا . وإذا جعلت معنى قوله :
وَهُوَ مُحْسِنٌ
أي عامل الصالحات كان قوله :
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
بمنزلة عطف المرادف وهو بعيد . وقوله :
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
عطف ثناء إبراهيم على مدح من اتّبع دينه زيادة تنويه بدين إبراهيم ، فأخبر أنّ اللّه اتّخذ إبراهيم خليلا . والخليل في كلام العرب الصاحب الملازم الذي لا يخفى عنه شيء من أمور صاحبه ، مشتقّ من الخلال ، وهو النواحي المتخلّلة للمكان
فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ *
[ النور : 43 ]
فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً
[ الكهف : 33 ] . هذا أظهر الوجوه في اشتقاق الخليل . ويقال : خلّ وخلّ - بكسر الخاء وضمّها - ومؤنّثه : خلّة - بضمّ الخاء - ، ولا يقال - بكسر الخاء - ، قال كعب : أكرم بها خلّة لو أنّها صدقت وجمعها خلائل . وتطلق الخلّة - بضمّ الخاء - على الصحبة الخالصة
لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ
[ البقرة : 254 ] ، وجمعها خلال
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ
[ إبراهيم : 31 ] . ومعنى اتخاذ اللّه إبراهيم خليلا شدّة رضى اللّه عنه ، إذ قد علم كلّ أحد أنّ الخلّة الحقيقية تستحيل على اللّه فأريد لوازمها وهي الرضى ، واستجابة الدعوة ، وذكره بخير ، ونحو ذلك . وجملة
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
إلخ تذييل جعل كالاحتراس ، على