تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
خاليا عن معنى الإحقاق كان هذا المصدر ممّا يسمّيه النحاة مصدرا مؤكّدا لغيره . وجملة
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
تذييل للوعد وتحقيق له : أي هذا من وعد اللّه ، ووعود اللّه وعود صدق ، إذ لا أصدق من اللّه قيلا . فالواو اعتراضية لأنّ التذييل من أصناف الاعتراض وهو اعتراض في آخر الكلام ، وانتصب
قِيلًا
على تمييز نسبة من
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ
. والاستفهام إنكاري . والقيل : القول ، وهو اسم مصدر بوزن فعل يجيء في الشرّ والخير . [ 123 ، 124 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 123 إلى 124 ]

لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) الأظهر أنّ قوله :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ
استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل الأعمال ، والتشويه بمساويها ، وأنّ في ( ليس ) ضميرا عائدا على الجزاء المفهوم من قوله :
يُجْزَ بِهِ
، أي ليس الجزاء تابعا لأماني الناس ومشتهاهم ، بل هو أمر مقدّر من اللّه تعالى تقديرا بحسب الأعمال ، وممّا يؤيّد أن يكون قوله :
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ
استئنافا ابتدائيا أنّه وقع بعد تذييل مشعر بالنهاية وهو قوله :
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا
[ النساء : 122 ] . وممّا يرجّحه أنّ في ذلك الاعتبار إبهاما في الضمير ، ثم بيانا له بالحملة بعده ، وهي :
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
؛ وأنّ فيه تقديم جملة
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ
عن موقعها الذي يترقّب في آخر الكلام ، فكان تقديمها إظهارا للاهتمام بها ، وتهيئة لإبهام الضمير . وهذه كلّها خصائص من طرق الإعجاز في النظم . وجملة
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
استئناف بياني ناشئ عن جملة
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ
لأنّ السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل . ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسّرناه . وجعل صاحب « الكشاف » الضمير المستتر عائدا على وعد اللّه ، أي ليس وعدّ اللّه بأمانيّكم ؛ فتكون الجملة من تكملة الكلام السابق حالا من
وَعْدَ اللَّهِ
[ النساء : 122 ] ، وتكون جملة
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
استئنافا ابتدائيا محضا . روي الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح ، وروى ابن جرير بسنده إلى مسروق ، وقتادة ، والسدّي ، والضحاك ، وبعض الروايات يزيد على بعض ، أنّ سبب
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 260 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور