الملام - في الدنيا - على أن أخطأ فيما لا يخطئ أهل العلم في مثله .
وجملة
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
حالية ، أي إن كنتم اختلفتم فيهم فاللّه قد ردّهم إلى حالهم السوأى ، لأنّ معنى أركس رد إلى الرّكس ، والركس قريب من الرجس .
وفي حديث الصحيح في الروث « إنّ هذا ركس »
وقيل : معنى أركس نكس ، أي ردّ ردّا شنيعا ، وهو مقارب للأول . وقد جعل اللّه ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها ، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات ، والعمل السيّئ يأتي بمنتهى المعاصي ، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سببا في بلوغ الغايات من جنسه .
وقوله :
أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
استئناف بياني نشأ عن اللوم والتعجيب الذي في قوله :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ
، لأنّ السامعين يترقّبون بيان وجه اللوم ، ويتساءلون عمّا ذا يتخذون نحو هؤلاء المنافقين . وقد دلّ الاستفهام الإنكاري المشوب باللوم على جملة محذوفة هي محلّ الاستئناف البياني ، وتقديرها : إنهم قد أضلّهم اللّه ، أتريدون أن تهدوا من أضلّ اللّه ، بناء على أنّ قوله :
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ
ليس المراد منه أنّه أضلّهم ، بل المراد منه أساء حالهم ، وسوء الحال أمر مجمل يفتقر إلى البيان ، فيكون فصل الجملة فصل الاستئناف .
وإن جعلت معنى
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ
أنّه ردّهم إلى الكفر ، كانت جملة
أَ تُرِيدُونَ
استئناف ابتدائيا ، ووجه الفصل أنّه إقبال على اللوم والإنكار ، بعد جملة
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ
التي هي خبرية ، فالفصل لكمال الانقطاع لاختلاف الغرضين .
[ 89 ]
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 89 ]
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 89 )
الأظهر أنّ ضمير « ودّوا » عائد إلى المنافقين في قوله :
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ
[ النساء : 88 ] . فضح اللّه هذا الفريق فأعلم المسلمين بأنّهم مضمرون الكفر ، وأنّهم يحاولون ردّ من يستطيعون ردّه من المسلمين إلى الكفر .
وعليه فقوله :
فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلّا ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس ، ولا