تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
أمر قضي بليل ، أي لم يطّلع عليه أحد ، وقال الحارث بن حلّزة :
أجمعوا أمرهم بليل فلمّا * أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
وقال أبو سفيان : هذا أمر قضى بليل . وقال تعالى :
لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
[ النمل : 49 ] أي : لنقتلنّهم ليلا . وقال :
وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
[ النساء : 108 ] . وتاء المضارعة في
غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ
للمؤنث الغائب ، وهو الطائفة ويجوز أن يراد خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي غير الذي تقول لهم أنت ، فيجيبون عنه بقولهم : طاعة . ومعنى
وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ
التهديد بإعلامهم أنّه لن يفلتهم من عقابه ، فلا يغرّنهم تأخّر العذاب مدّة . وقد دلّ بصيغة المضارع في قوله :
يَكْتُبُ
على تجدّد ذلك ، وأنّه لا يضاع منه شيء . وقوله :
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
أمر بعدم الاكتراث بهم ، وأنّهم لا يخشى خلافهم ، وأنّه يتوكّل على اللّه
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
أي متوكّلا عليه ، ولا يتوكّل على طاعة هؤلاء ولا يحزنه خلافهم . وقرأ الجمهور
بَيَّتَ طائِفَةٌ
- بإظهار تاء ( بيّت ) من طاء ( طائفة ) - . وقرأه أبو عمرو ، وحمزة ، ويعقوب ، وخلف - بإدغام التاء في الطاء - تخفيفا لقرب مخرجيهما . [ 82 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 82 ]

أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) الفاء تفريع على الكلام السابق المتعلّق بهؤلاء المنافقين أو الكفرة الصرحاء وبتولّيهم المعرض بهم في شأنه بقوله :
وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
[ النساء : 80 ] ، وبقولهم
طاعَةٌ
[ النساء : 81 ] ، ثم تدبير العصيان فيما وعدوا بالطاعة في شأنه . ولمّا كان ذلك كلّه أثرا من آثار استبطان الكفر ، أو الشكّ ، أو اختيار ما هو في نظرهم أولى ممّا أمروا به ، وكان استمرارهم على ذلك ، مع ظهور دلائل الدّين ، منبئا بقلّة تفهّمهم القرآن ، وضعف استفادتهم ، كان المقام لتفريع الاستفهام عن قلّة تفهمهم . فالاستفهام إنكاري للتوبيخ والتعجيب منهم في استمرار جهلهم مع توفّر أسباب التدبير لديهم . تحدّى اللّه تعالى هؤلاء بمعاني القرآن ، كما تحدّاهم بألفاظه ، لبلاغته إذ كان المنافقون قد شكّوا في أنّ القرآن من عند اللّه ، فلذلك يظهرون الطاعة بما يأمرهم به ، فإذا خرجوا من مجلس النبي صلى اللّه عليه وسلم خالفوا ما أمرهم به لعدم ثقتهم ، ويشكّكون ويشكّون إذا بدا لهم شيء من التعارض ، فأمرهم اللّه تعالى بتدبير القرآن كما قال تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي