تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وأنا أقول : إنّ أهل السنّة ما استدلّوا بها إلّا قولا بموجب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشّرّ على أنّ عموم معنى الحسنة والسيئة - كما بيّنته آنفا - يجعل الآية صالحة للاستدلال ، وهو استدلال تقريبي لأنّ أصول الدين لا يستدلّ فيها بالظواهر كالعموم . وجيء في حكاية قولهم :
يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
-
يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
بكلمة ( عند ) للدلالة على قوّة نسبة الحسنة إلى اللّه ونسبة السيّئة للنبي عليه الصلاة والسلام أي قالوا ما يفيد جزمهم بذلك الانتساب . ولمّا أمر اللّه رسوله أن يجيبهم قال :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
مشاكلة لقولهم ، وإعرابا عن التقدير الأزلي عند اللّه . وأمّا قوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
فلم يؤت فيه بكلمة ( عند ) ، إيماء إلى أنّ ابتداء مجيء الحسنة من اللّه ومجيء السيّئة من نفس المخاطب ، ابتداء المتسبّب لسبب الفعل ، وليس ابتداء المؤثّر في الأثر . وقوله :
وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
عطف على قوله :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
للردّ على قولهم : السيئة من عند محمد ، أي أنك بعثت مبلّغا شريعة وهاديا ، ولست مؤثرا في الحوادث ولا تدل مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة . فمعنى
أَرْسَلْناكَ
بعثناك كقوله
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ
[ الحجر : 22 ] ونحوه . و
لِلنَّاسِ
متعلق ب
أَرْسَلْناكَ
. وقوله
رَسُولًا
حال من
أَرْسَلْناكَ
، والمراد بالرسول هنا معناه الشرعي المعروف عند أهل الأديان : وهو النبي المبلّغ عن اللّه تعالى ، فهو لفظ لقيي دالّ على هذا المعنى ، وليس المراد به اسم المفعول بالمعنى اللغوي ولهذا حسن مجيئه حالا مقيّدة ل « أرسلناك » ، لاختلاف المعنيين ، أي بعثناك مبلّغا لا مؤثّرا في الحوادث ، ولا أمارة على وقوع الحوادث السيّئة . وبهذا يزول إشكال مجيء هذه الحال غير مفيدة إلّا التأكيد ، حتّى احتاجوا إلى جعل المجرور متعلّقا ب
رَسُولًا
، وأنّه قدّم عليه دلالة على الحصر باعتبار العموم المستفاد من التعريف ، كما في « الكشّاف » ، أي لجميع الناس لا لبعضهم ، وهو تكلّف لا داعي إليه ، وليس المقام هذا الحصر . [ 80 ، 81 ]

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 80 إلى 81 ]

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 ) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 81 )