تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
النبي صلى اللّه عليه وسلم بضمير الجماعة ، ويدلّ لذلك أنّ اللّه نهى المسلمين عن متابعتهم إيّاهم في ذلك اغترارا فقال في سورة البقرة [ 104 ] :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
. واللّيّ أصله الانعطاف والانثناء ، ومنه « ولا تلوون على أحد » ، وهو يحتمل الحقيقة في كلتا الكلمتين : اللّي ، والألسنة ، أي أنّهم يثنون ألسنتهم ليكون الكلام مشبها لغتين بأن يشبعوا حركات ، أو يقصروا مشبعات ، أو يفخّموا مرقّقا ، أو يرقّقوا مفخما ، ليعطي اللفظ في السمع صورة تشبه صورة كلمة أخرى ، فإنّه قد تخرج كلمة من زنة إلى زنة ، ومن لغة إلى لغة بمثل هذا . ويحتمل أن يراد بلفظ ( اللي ) مجازه ، وب ( الألسنة ) مجازه : فالليّ بمعنى تغيير الكلمة ، والألسنة مجاز على الكلام ، أي يأتون في كلامهم بما هو غير متمحّض لمعنى الخير . وانتصب « ليّا » على المفعول المطلق ل
يَقُولُونَ
، لأنّ الليّ كيفية من كيفيات القول . وانتصب
طَعْناً فِي الدِّينِ
على المفعول لأجله ، فهو من عطف بعض المفاعيل على بعض آخر ، ولا ضير فيه ، ولك أن تجعلهما معا مفعولين مطلقين أو مفعولين لأجلهما ، وإنما كان قولهم
( طَعْناً فِي الدِّينِ )
، لأنّهم أضمروا في كلامهم قصدا خبيثا فكانوا يقولون لإخوانهم ، ومن يليهم من حديثي العهد بالإيمان : لو كان محمّد رسولا لعلم ما أردنا بقولنا ، فلذلك فضحهم اللّه بهذه الآية ونظائرها . وقوله :
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
أي لو قالوا ما هو قبول للإسلام لكان خيرا . وقوله :
سَمِعْنا وَأَطَعْنا
يشبه أنّه ممّا جرى مجرى المثل بقول من أمر بشيء وامتثله « سمّع وطاعة » ، أي شأني سمع وطاعة ، وهو ممّا التزم فيه حذف المبتدأ لأنّه جرى مجرى المثل ، وسيجيء في سورة النور [ 51 ] قوله تعالى :
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
. وقوله :
وَأَقْوَمَ
تفضيل مشتقّ من القيام الذي هو بمعنى الوضوح والظهور ، كقولهم : قام الدليل على كذا ، وقامت حجّة فلان . وإنّما كان أقوم لأنّه دالّ على معنى لا احتمال فيه ، بخلاف قولهم . والاستدراك في قوله :
وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
ناشئ عن قوله :
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
، أي ولكن أثر اللّعنة حاق بهم فحرموا ما هو خير فلا ترشح نفوسهم إلّا بآثار ما هو كمين فيها من فعل سيّئ وقول بذاء لا يستطيعون صرف أنفسهم عن ذلك .