تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ولاح لهم وجه العشيّات سملق ويقولون : هو وجه القوم أي سيّدهم والمقدّم بينهم . واشتق من هذا الاسم فعل وجه بضم الجيم ككرم فجاء منه وجيه صفة مشبّهة ، فوجيه الناس المكرّم بينهم ، ومقبول الكلمة فيهم ، قال تعالى في وصف موسى عليه السلام :
وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً
. والمهد شبه الصندوق من خشب لا غطاء له يمهد فيه مضجع للصبي مدة رضاعه يوضع فيه لحفظه من السقوط . وخص تكليمه بحالين : حال كونه في المهد ، وحال كونه كهلا ، مع أنه يتكلّم فيما بين ذلك لأنّ لذينك الحالين مزيد اختصاص بتشريف اللّه إياه فأما تكليمه الناس في المهد فلأنه خارق عادة إرهاصا لنبوءته . وأما تكليمهم كهلا فمراد به دعوته الناس إلى الشريعة . فالتكليم مستعمل في صريحه وفي كنايته باعتبار القرينة المعينة للمعنيين وهي ما تعلق بالفعل من المجرورين . وعطف عليه
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
فالمجرور ظرف مستقرّ في موضع الحال . والصالحون الذين صفتهم الصلاح لا تفارقهم ، والصلاح استقامة الأعمال وطهارة النفس قال إبراهيم :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
[ الصافات : 100 ] . والكهل من دخل في عشرة الأربعين وهو الذي فارق عصر الشباب ، والمرأة شهلة بالشين ، ولا يقال كهلة كما لا يقال شهل للرجل إلّا أن العرب قديما سمّوا شهلا مثل شهل بن شيبان الملقب الفند الزّماني فدلنا ذلك على أنّ الوصف أميت . وقد كان عيسى عليه السلام حيث بعث ابن نيف وثلاثين . وقوله :
وَجِيهاً
حال من
بِكَلِمَةٍ
باعتبار ما صدقها .
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
عطف على الحال ،
وَيُكَلِّمُ
جملة معطوفة على الحال المفردة : لأنّ الجملة التي لها محل من الإعراب لها حكم المفرد . وقوله :
فِي الْمَهْدِ
حال من ضمير ( يكلّم ) . وكهلا عطف على محلّ الجار والمجرور ، لأنهما في موضع الحال ، فعطف عليهما بالنصب ،
وَمِنَ الصَّالِحِينَ
معطوف على
وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
. [ 47 ]
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 98 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور