والتولّي مجاز عن النفور والإباء ، وأصله الإعراض والانصراف عن المكان .
وجملة
وَهُمْ مُعْرِضُونَ
حال مؤكّدة لجملة
يَتَوَلَّى فَرِيقٌ
إذ التولّي هو الإعراض ، ولما كانت حالا لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة على تجدّد الإعراض ، منهم المفاد أيضا من المضارع في قوله :
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ
.
وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
الإشارة إلى تولّيهم وإعراضهم ، والباء للسببية : أي إنّهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنّهم في أمان من العذاب إلّا أياما قليلة ، فانعدم اكتراثهم باتّباع الحق ؛ لأنّ اعتقادهم النجاة من عذاب اللّه على كل حال جرّأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض . وهذا الاعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضا بسفالة همّتهم الدينية ، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس . وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أنّ هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنّه قول مفتري مدلّس ، وهذه العقيدة عقيدة اليهود ، كما تقدم في البقرة .
وقوله :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
أي ما تقوّلوه على الدّين وأدخلوه فيه ، فلذلك أتي بفي الدالة على الظرفية المجازية . ومن جملة ما كانوا يفترونه قولهم :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
[ البقرة : 80 ] ، وكانوا أيضا يزعمون أنّ اللّه وعد يعقوب ألّا يعذّب أبناءه .
وقد أخبر اللّه تعالى عن مفاسد هذا الغرور والافتراء بإيقاعها في الضلال الدائم ، لأنّ المخالفة إذا لم تكن عن غرور فالإقلاع عنها مرجو ، أما المغرور فلا يترقّب منه إقلاع . وقد ابتلي المسلمون بغرور كثير في تفاريع دينهم وافتراءات من الموضوعات عادت على مقاصد الدين وقواعد الشريعة بالإبطال ، وتفصيل ذلك في غير هذا المجال .
وقوله :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
تفريع عن قوله :
وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ
أي إذا كان ذلك غرورا فكيف حالهم أو جزاؤهم إذا جمعناهم ووفيناهم جزاءهم والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والتفظيع مجازا .
« وكيف » هنا خبر لمحذوف دل على نوعه السياق ، و
إِذا
ظرف منتصب بالذي عمل في مظروفه : وهو ما في كيف من معنى الاستفهام التفظيعي كقولك : كيف أنت إذا لقيت العدوّ ، وسيجيء زيادة بيان لمثل هذا التركيب عند قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
في سورة النساء [ 41 ] .