تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
والقيام هنا بمعنى المواظبة كقوله :
أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] وقوله :
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] وتقول : الأمير قائم بمصالح الأمة ، كما تقول : ساهر عليها ، ومنه « إقام الصلاة » وقول أيمن بن خريم الأنصاري :
أقامت غزالة سوق الضّراب * لأهل العراقين حولا قميطا
وهو في الجميع تمثيل . والقسط : العدل وهو مختصر من القسطاس - بضم القاف - روى البخاري عن مجاهد أنّه قال : القسطاس : العدل بالرومية وهذه الكلمة ثابتة في اللغات الرومية وهي من اللاطينية ، ويطلق القسط والقسطاس على الميزان ، لأنّه آلة للعدل قال تعالى :
وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ *
[ الإسراء : 35 ] وقال :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
[ الأنبياء : 47 ] . وقد أقام اللّه القسط في تكوين العوالم على نظمها ، وفي تقدير بقاء الأنواع ، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات ، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل : لدفع ظلم بعضهم بعضا ، وظلمهم أنفسهم ، فهو القائم بالعدل سبحانه ، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله . وقوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
تمجيد وتصديق ، نشأ عن شهادة الموجودات كلّها له بذلك فهو تلقين الإقرار له بذلك على نحو قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ الأحزاب : 56 ] أي اقتداء باللّه وملائكته ، على أنّه يفيد مع ذلك تأكيد الجملة السابقة ، ويمهّد لوصفه تعالى بالعزيز الحكيم . [ 19 ]

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 19 ]

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 )
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
. قرأ جمهور القرّاء
إِنَّ الدِّينَ
- بكسر همزة إنّ - فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بأجمع عبارة وأوجزها . وهذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة : غرض محاجّة نصارى نجران ، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل ، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأنّ هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب ، إذ هو الفرقان ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 45 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور