و
روى محمد بن إسحاق : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما غلب قريشا ببدر ، ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود وقال لهم : « يا معشر اليهود احذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم ، أنّي نبيء مرسل » فقالوا : « يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيت قوما أغمارا لا معرفة لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة أما واللّه لو قاتلناك لعرفت أنّا نحن الناس » فأنزل اللّه هذه الآية
. وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضير وخيبر ، وأيضا فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال .
وعطف
بِئْسَ الْمِهادُ
على
سَتُغْلَبُونَ
عطف الإنشاء على الخبر .
وقرأ الجمهور
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ
- كلتيهما بتاء الخطاب - وقرأه حمزة ، والكسائي ، وخلف : بياء الغيبة ، وهما وجهان فيما يحكى بالقول لمخاطب ، والخطاب أكثر : كقوله تعالى :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ
[ المائدة :
117 ] ولم يقل ربّك وربّهم .
والخطاب في قوله :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ
خطاب للذين كفروا ، كما هو الظاهر ؛ لأنّ المقام للمحاجّة ، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجّة . فيكون من جملة المقول ، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين ، فيكون استئنافا ناشئا عن قوله ستغلبون ؛ إذ لعلّ كثرة المخاطبين من المشركين ، أو اليهود ، أو كليهما ، يثير تعجّب السامعين من غلبهم فذكرهم اللّه بما كان يوم بدر .
والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر .
والالتقاء : اللقاء ، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة ، واللقاء مصادفة الشخص شخصا في مكان واحد ، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
[ الأنفال : 15 ] وسيأتي . والالتقاء يطلق كذلك كقول أنيف بن زبّان :
فلمّا التقينا بيّن السيف بيننا * لسائلة عنّا حفيّ سؤالها
وهذه الآية تحتمل المعنيين .
وقوله :
فِئَةٌ تُقاتِلُ
تفصيل للفئتين ، وهو مرفوع على أنّه صدر جملة للاستئناف في التفصيل والتقسيم ، الوارد بعد الإجمال والجمع .
والفئة : الجماعة من الناس ؛ وقد تقدّم الكلام عليها في قوله تعالى :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ