تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
يلزم أن تكون ( من ) مع هذا الفعل ، إذا عدّي بعن ، مماثلة لمن الواقعة بعد هذا الفعل الذي يعدّ بعن ، لإمكان اختلاف معنى التعلّق باختلاف مساق الكلام . والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ ( شيء ) مع ذكر المتعلّقين كما في الآية ، وبدون ذكر متعلّقين ، كما في قول أبي سفيان ، يوم أسلم : « لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا » . وانتصب قوله :
شَيْئاً
على النيابة عن المفعول المطلق أي شيئا من الغناء . وتنكيره للتحقير أي غناء ضعيفا ، بله الغناء المهم ، ولا يجوز أن يكون مفعولا به لعدم استقامة معنى الفعل في التعدي . وقد ظهر بهذا كيفية تصرّف هذا الفعل التصرّف العجيب في كلامهم ، وانفتح لك ما انغلق من عبارة الكشّاف ، وما دونها ، في معنى هذا التركيب . وقد مرّ الكلام على وقوع لفظ شيء عند قوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
[ البقرة : 155 ] . وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا ؛ لأنّ الغناء يكون بالفداء بالمال ، كدفع الديات والغرامات ، ويكون بالنصر والقتال ، وأولى من يدافع عن الرجل ، من عشيرته ، أبناؤه ، وعن القبيلة أبناؤها . قال قيس بن الخطيم :
ثأرت عديّا والخطيم ولم أضع * ولاية أشياخ جعلت إزاءها
والأموال المكاسب التي تقتات وتدّخر ويتعاوض بها ، وهي جمع مال ، وغلب اسم المال في كلام جلّ العرب على الإبل قال زهير :
صحيحات مال طالعات بمخرم
وغلب في كلام أهل الزرع والحرث على الجنّات والحوائط وفي الحديث « كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحبّ أمواله إليه بئر حاء ، ويطلق المال غالبا على الدراهم والدنانير كما في قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم للعباس « أين المال الذي عند أم الفضل » . والظاهر أنّ هذا وعيد بعذاب الدنيا ؛ لأنّه شبّه بأنّه
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ
- إلى قوله -
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
وشأن المشبّه به أن يكون معلوما ؛ ولأنّه عطف عليه عذاب الآخرة في قوله :
وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
. وجيء بالإشارة في قوله :
وَأُولئِكَ
لاستحضارهم كأنّهم بحيث يشار إليهم ، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيأتي من الخبر وهو قوله :
هُمْ وَقُودُ النَّارِ
. وعطفت هذه الجملة ، ولم تفصل ، لأنّ المراد من التي قبلها لا وعيد في الدنيا وهذه في وعيد الآخرة