تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ويجوز عندي أن يكون قوله :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
حكاية لتفكّرهم في نفوسهم ، فهو كلام النفس يشترك فيه جميع المتفكّرين لاستوائهم في صحّة التفكّر لأنّه تنقل من معنى إلى متفرّع عنه ، وقد استوى أولو الألباب المتحدّث عنهم هنا في إدراك هذه المعاني ، فأوّل التفكّر أنتج لهم أنّ المخلوقات لم تخلق باطلا ، ثم تفرّع عنه تنزيه اللّه وسؤاله أن يقيهم عذاب النار ، لأنّهم رأوا في المخلوقات طائعا وعاصيا ، فعلموا أنّ وراء هذا العالم ثوابا وعقابا ، فاستعاذوا أن يكونوا ممّن حقّت عليه كلمة العذاب . وتوسّلوا إلى ذلك بأنّهم بذلوا غاية مقدورهم في طلب النجاة إذ استجابوا لمنادي الإيمان وهو الرسول عليه الصلاة والسلام ، وسألوا غفران الذنوب ، وتكفير السيئات ، والموت على البر إلى آخره . . . فلا يكاد أحد من أولي الألباب يخلو من هذه التفكّرات وربّما زاد عليها ، ولمّا نزلت هذه الآية وشاعت بينهم ، اهتدى لهذا التفكير من لم يكن انتبه له من قبل فصار شائعا بين المسلمين بمعانيه وألفاظه . ومعنى
ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
أي خلقا باطلا ، أو ما خلقت هذا في حال أنّه باطل ، فهي حال لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات ، كقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
[ الدخان : 38 ] فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أنّ هذا الخلق باطل أو خلي عن الحكمة ، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثيرا . وجيء بفاء التعقيب في حكاية قولهم :
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
لأنّه ترتّب على العلم بأنّ هذا الخلق حقّ ، ومن جملة الحقّ أن لا يستوي الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، فعلموا أنّ لكلّ مستقرّا مناسبا فسألوا أن يكونوا من أهل الخير المجنّبين عذاب النار . وقولهم :
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار ، كما تؤذن به ( إنّ ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا . والخزي مصدر خزي يخزى بمعنى ذلّ وهان بمرأى من الناس ، وأخزاه أذلّه على رؤوس الأشهاد ، ووجه تعليل طلب الوقاية من النار بأنّ دخولها خزي بعد الإشارة إلى موجب ذلك الطلب بقولهم :
عَذابَ النَّارِ
أنّ النار مع ما فيها من العذاب الأليم فيها قهر للمعذّب وإهانة علنية ، وذلك معنى مستقرّ في نفوس الناس ، ومنه قول إبراهيم عليه السلام :
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
[ بالشعراء : 87 ] وذلك لظهور وجه الربط بين الشرط والجزاء ، أي من يدخل النار فقد أخزيته . والخزي لا تطيقه الأنفس ، فلا حاجة إلى تأويل تأوّلوه على معنى فقد أخزيته
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 309 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور