تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
والمراد ب
خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
هنا : إمّا آثار خلقها ، وهو النظام الذي جعل فيها ، وإمّا أن يراد بالخلق المخلوقات كقوله تعالى :
هذا خَلْقُ اللَّهِ
[ لقمان : 11 ] . وأولو الألباب أهل العقول الكاملة لأنّ لبّ الشيء هو خلاصته . وقد قدّمنا في سورة البقرة بيان ما في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من الآيات عند قوله تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ
[ البقرة : 164 ] إلخ . و
يَذْكُرُونَ اللَّهَ
إمّا من الذّكر اللساني وإمّا من الذّكر القلبي وهو التفكّر ، وأراد بقوله :
قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
عموم الأحوال كقولهم : ضربه الظهر والبطن ، وقولهم : اشتهر كذا عند أهل الشرق والغرب ، على أنّ هذه الأحوال هي متعارف أحوال البشر في السلامة ، أي أحوال الشغل والراحة وقصد النوم . وقيل : أراد أحوال المصلّين : من قادر ، وعاجز ، وشديد العجز . وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى . وقوله :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
عطف مرادف إن كان المراد بالذكر فيما سبق التفكّر ، وإعادته لأجل اختلاف المتفكّر فيه ، أو هو عطف مغاير إذا كان المراد من قوله :
يَذْكُرُونَ
ذكر اللسان . والتفكّر عبادة عظيمة . روى ابن القاسم عن مالك رحمه اللّه في جامع العتبية قال : قيل لأمّ الدرداء : ما كان شأن أبي الدرداء ؟ قالت : كان أكثر شأنه التفكّر ، قيل له : أترى التفكّر عملا من الأعمال ؟ قال : نعم ، هو اليقين . والخلق بمعنى كيفية أثر الخلق ، أو المخلوقات التي في السماء والأرض ، فالإضافة إمّا على معنى اللام ، وإمّا على معنى ( في ) . وقوله :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
وما بعده جملة واقعة موقع الحال على تقدير قول : أي يتفكّرون قائلين : ربّنا إلخ لأنّ هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء . فإن قلت : كيف تواطأ الجمع من أولي الألباب على قول هذا التنزيه والدعاء عند التفكّر مع اختلاف تفكيرهم وتأثّرهم ومقاصدهم . قلت : يحتمل أنّهم تلقّوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكانوا يلازمونه عند التفكّر وعقبه ، ويحتمل أنّ اللّه ألهمهم إيّاه فصار هجيراهم مثل قوله تعالى :
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا
[ البقرة : 285 ] الآيات . ويدلّ لذلك حديث ابن عباس في « الصحيح » قال : « بتّ عند خالتي ميمونة فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فمسح النوم عن وجهه ثم قرأ العشر الآيات من سورة آل عمران » إلى آخر الحديث .