القول في ذلك عند قوله تعالى :
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 269 ] .
وعطف الحكمة على الكتاب عطف الأخصّ من وجه على الأعمّ من وجه ، فمن الحكمة ما هو في الكتاب نحو :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *
[ الحشر : 9 ] ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام : « لا يلدغ المؤمن من جحر مرّتين » وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فرض الصلاة والحجّ .
وجملة
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
حال ، وإن مخففة مهملة ، والجملة بعدها خبر عن ضمير الشأن محذوف ، والجملة خبره على رأي صاحب « الكشاف » ، وهو التحقيق إذ لا وجه لزوال عملها مع بقاء معناها ، ولا وجه للتفرقة بينها وبين المفتوحة إذا خففت فقد قدّروا لها اسما هو ضمير الشأن ، بل نجد المكسورة أولى ببقاء العمل عند التخفيف لأنها أمّ الباب فلا يزول عملها بسهولة ، وقال جمهور النحاة : يبطل عملها وتكون بعدها جملة ، وعلى هذا فالمراد بإهمالها أنّها لا تنصب مفردين بل تعمل في ضمير شأن وجملة إمّا اسمية ، أو فعلية فعلها من النواسخ غالبا .
ووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هدى ، أو شبهة ، فكان حاله مبيّنا كونه ضلالا كقوله :
قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ *
[ النمل : 13 ] .
والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية .
ويجوز أن يشمل قوله :
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
المؤمنين في كل العصور ويراد بكونه من أنفسهم أنّه من نوع البشر . ويراد بإسناد تعليم الكتاب والحكمة إليه ما يجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي ، لأنّ تعليم ذلك متلقّي منه مباشرة أو بالواسطة .
[ 165 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 165 ]
أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 165 )
عطف الاستفهام الإنكاري التعجيبي على ما تقدّم ، فإنّ قولهم :
أَنَّى هذا
ممّا ينكر ويتعجّب السامع من صدوره منهم بعد ما علموا ما أتوا من أسباب المصيبة ، إذ لا ينبغي أن يخفى على ذي فطنة ، وقد جاء موقع هذا الاستفهام بعد ما تكرّر : من تسجيل تبعة الهزيمة عليهم بما ارتكبوا من عصيان أمر الرسول ، ومن العجلة إلى الغنيمة ، وبعد أن أمرهم بالرضا بما وقع ، وذكّرهم النصر الواقع يوم بدر ، عطف على ذلك هنا إنكار