الْقِيامَةِ
وإنّي غالّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يغلّ مصحفه فليفعل . ولا أثق بصحّة هذا الخبر لأنّ ابن مسعود يعلم أنّ هذا ليس من الغلول .
وقوله :
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
تنبيه على العقوبة بعد التفضيح ، إذ قد علم أنّ الكلام السابق مسوق مساق النّهي ، وجيء ب ( ثمّ ) للدّلالة على طول مهلة التفضيح ، ومن جملة النّفوس الّتي توفّى ما كسبت نفس من يغلل ، فقد دخل في العموم .
وجملة
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها وهي
تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ
.
والآية دلّت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش ، وهو من الكبائر لأنّه مثل السرقة ، وأصحّ ما في الغلول
حديث « الموطأ » : أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصدا وادي القرى وكان له عبد أسود يدعى مدعما ، فبينما هو يحطّ رحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فقتله ، فقال النّاس : هنيئا له الجنّة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « كلّا والّذي نفسي بيده إن الشّملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا »
. ومن غلّ في المغنم يؤخذ منه ما غلّه ويؤدّب بالاجتهاد ، ولا قطع فيه باتّفاق ، هذا قول الجمهور ، وقال الأوزاعي ، وإسحاق ، وأحمد بن حنبل ، وجماعة : يحرق متاع الغالّ كلّه عدا سلاحه وسرجه ، ويردّ ما غلّه إلى بيت المال ، واستدلّوا بحديث
رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي ، عن عمر بن الخطاب : أنّ النّبيء صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه »
وهو حديث ضعيف ، قال الترمذي سألت محمدا - يعني البخاري - عنه فقال : « إنّما رواه صالح بن محمد ، وهو منكر الحديث . على أنّه لو صحّ لوجب تأويله لأنّ قواعد الشّريعة تدلّ على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق في التعلّق بالظواهر وليس من التفقّه في شيء .
[ 162 ، 163 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 162 إلى 163 ]
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 )
تفريع على قوله :
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
فهو كالبيان لتوفية كلّ نفس بما كسبت .