تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
في طائفة من أصحابه حتى أتى مدراس اليهود فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلخ . ومادة درس تستلزم التمكن من المفعول فلذلك صار درس الكتاب مجازا في فهمه وإتقانه ولذلك عطف في هذه الآية
وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
على
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ
. وفعله من باب نصر ، ومصدره في غالب معانيه الدرس ، ومصدر درس بمعنى قرأ يجيء على الأصل درسا ومنه سمي تعليم العلم درسا . ويجيء على وزن الفعالة دراسة وهي زنة تدل على معالجة الفعل ، مثل الكتابة والقراءة ، إلحاقا لذلك بمصادر الصناعات كالتجارة والخياطة . وفي قوله :
وَلا يَأْمُرَكُمْ
التفات من الغيبة إلى الخطاب . وقرأ الجمهور « يأمركم » بالرفع على ابتداء الكلام ، وهذا الأصل فيما إذا أعيد حرف النفي ، فإنه لما وقع بعد فعل منفي ، ثم انتقض نفيه بلكن ، احتيج إلى إعادة حرف النفي ، والمعنى على هذه القراءة واضح : أي ما كان لبشر أن يقول للناس كونوا إلخ ولا هو يأمرهم أن يتخذوا الملائكة أربابا . وقرأه ابن عامر ، وحمزة ويعقوب ، وخلف : بالنصب عطفا على أن يقول ولا زائدة لتأكيد النفي الذي في قوله :
ما كانَ لِبَشَرٍ
، وليست معمولة لأن : لاقتضاء ذلك أن يصير المعنى : لا ينبغي لبشر أوتي الكتاب ألّا يأمركم أن تتخذوا ، والمقصود عكس هذا المعنى ، إذ المقصود أنه لا ينبغي له أن يأمر ، فلذلك اضطرّ في تخريج هذه القراءة إلى جعل لا زائدة لتأكيد النفي وليست لنفي جديد . وقرأه الدّوري عن أبي عمرو باختلاس الضمة إلى السكون . ولعلّ المقصود من قوله :
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
: أنهم لما بالغوا في تعظيم بعض الأنبياء والملائكة ، فصوّروا صور النبيئين ، مثل يحيى ومريم ، وعبدوهما ، وصوّروا صور الملائكة ، واقتران التصوير مع الغلوّ في تعظيم الصورة والتعبد عندها ضرب من الوثنية . قال ابن عرفة : « إن قيل نفي الأمر أعم من النهي فهلا قيل وينهاكم . والجواب أنّ ذلك باعتبار دعواهم وتقوّلهم على الرسل » . وأقول : لعلّ التعبير بلا يأمركم مشاكلة لقوله :
ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ
لأنهم زعموا أنّ المسيح قال : إنه ابن اللّه فلما نفي أنه يقول ذلك نفي ما هو مثله وهو أن يأمرهم باتخاذ الملائكة أربابا ، أو لأنهم لما كانوا يدّعون التمسك بالدين كان سائر أحوالهم محمولة على أنهم تلقوها منه ، أو لأنّ المسيح لم ينههم عن
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 141 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور