ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وظلم النصارى اللّه بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابنا للّه تعالى ، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم .
وعذاب الدنيا هو زوال الملك وضرب الذلة والمسكنة والجزية ، والتشريد في الأقطار ، وكونهم يعيشون تبعا للناس ، وعذاب الآخرة هو جهنم . ومعنى
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
أنهم لا يجدون ناصرا يدفع عنهم ذلك وإن حاوله لم يظفر به وأسند فنوفيهم إلى نون العظمة تنبيها على عظمة مفعول هذا الفاعل ؛ إذ العظيم يعطى عظيما . والتقدير فيوفيهم أجورهم في الدنيا والآخرة بدليل مقابله في ضدّهم من قوله :
فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
وتوفية الأجور في الدنيا تظهر في أمور كثيرة : منها رضا اللّه عنهم ، وبركاته معهم ، والحياة الطيبة ، وحسن الذكر . وجملة
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
تذييل ، وفيها اكتفاء : أي ويحبّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
وقرأ الجمهور : فنوفيهم - بالنون - وقرأه حفص عن عاصم ، ورويس عن يعقوب ، فيوفيهم بياء الغائب على الالتفات .
[ 58 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 58 ]
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ( 58 )
تذييل : فإنّ الآيات والذكر أعمّ من الذي تلي هنا ، واسم الإشارة إلى الكلام السابق من قوله تعالى :
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ
[ آل عمران : 45 ] وتذكير اسم الإشارة لتأويل المشار إليه بالكلام أو بالمذكور . وجملة نتلوه حال من اسم الإشارة على حدّ
وَهذا بَعْلِي شَيْخاً
[ هود : 72 ] وهو استعمال عربي فصيح وإن خالف في صحة مجيء الحال من اسم الإشارة بعض النحاة .
وقوله :
مِنَ الْآياتِ
خبر
ذلِكَ
أيّ إنّ تلاوة ذلك عليك من آيات صدقك في دعوى الرسالة ؛ فإنك لم تكن تعلم ذلك ، وهو ذكر وموعظة للناس ، وهذا أحسن من جعل نتلوه خبرا عن المبتدأ ، ومن وجوه أخرى . والحكيم بمعنى المحكم ، أو هو مجاز عقلي أي الحكيم عالمه أو تاليه .
[ 59 ، 60 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 59 إلى 60 ]
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 60 )
استئناف بياني : بيّن به ما نشأ من الأوهام ، عند النصارى ، عن وصف عيسى بأنه