قال الزجاج : « لما ذكر اللّه في هذه السورة أحكاما كثيرة ، وقصصا ، ختمها بقوله :
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
تعظيما لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأتباعه ، وتأكيدا وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل » . يعني : أنّ هذا انتقال من المواعظ ، والإرشاد ، والتشريع ، وما تخلّل ذلك : ممّا هو عون على تلك المقاصد ، إلى الثناء على رسوله والمؤمنين في إيمانهم بجميع ذلك إيمانا خالصا يتفرّع عليه العمل ؛ لأنّ الإيمان بالرسول والكتاب ، يقتضي الامتثال لما جاء به من عمل . فالجملة استئناف ابتدائي وضعت في هذا الموقع لمناسبة ما تقدم ، وهو انتقال مؤذن بانتهاء السورة لأنّه لما انتقل من أغراض متناسبة إلى غرض آخر :
هو كالحاصل والفذلكة ، فقد أشعر بأنّه استوفى تلك الأغراض . وورد في أسباب النزول أنّ قوله :
آمَنَ الرَّسُولُ
يرتبط بقوله :
وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
[ البقرة : 284 ] كما تقدم آنفا .
وأل في الرسول للعد . وهو علم بالغلبة على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في وقت النزول قال تعالى :
وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ
[ التوبة : 13 ] . و
الْمُؤْمِنُونَ
معطوف على
الرَّسُولُ
، والوقف عليه .
والمؤمنون - هنا - لقب للذين استجابوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلذلك كان في جعله فاعلا لقوله :
آمَنَ
فائدة ، مع أنّه لا فائدة في قولك : قام القائمون .
وقوله :
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ
جمع بعد التفصيل ، وكذلك شأن ( كلّ ) إذا جاءت بعد ذكر متعدّد في حكم ، ثم إرادة جمعه في ذلك ، كقول الفضل بن عباس اللّهبي ، بعد أبيات :
كلّ له نيّة في بغض صاحبه * بنعمة اللّه نقليكم وتقلونا
وإذ كانت ( كلّ ) من الأسماء الملازمة الإضافة فإذا حذف المضاف إليه نوّنت تنوين عوض عن مفرد كما نبّه عليه ابن مالك في « التسهيل » . ولا يعكر عليه أنّ ( كل ) اسم معرب لأنّ التنوين قد يفيد الغرضين فهو من استعمال الشيء في معنييه . فمن جوّز أن يكون عطف
الْمُؤْمِنُونَ
عطف جملة وجعل
الْمُؤْمِنُونَ
مبتدأ وجعل
كُلٌّ
مبتدأ ثانيا و
آمَنَ
خبره ، فقد شذّ عن الذوق العربي .
وقرأ الجمهور
وَكُتُبِهِ
بصيغة جمع كتاب ، وقرأه حمزة ، والكسائي : وكتابه ، بصيغة المفرد على أنّ المراد القرآن أو جنس الكتاب . فيكون مساويا لقوله :
وَكُتُبِهِ
، إذ المراد