تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم ، وهي المعاملة بالربا الذي لقّبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ربا الجاهلية ، وهو أن يعطي المدين مالا لدائنه زائدا على قدر الدين لأجل الانتظار ، فإذا حلّ الأجل ولم يدفع زاد في الدين ، يقولون : إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي . وقد كان ذلك شائعا في الجاهلية كذا قال الفقهاء . والظاهر أنّهم كانوا يأخذون الربا على المدين من وقت إسلافه وكلّما طلب النظرة أعطى ربا آخر ، وربّما تسامح بعضهم في ذلك . وكان العباس بن عبد المطلب مشتهرا بالمراباة في الجاهلية ، وجاء في خطبة حجّة الوداع « ألا وإنّ ربا الجاهلية موضوع وإنّ أول ربا أبدأ به ربا عمّي عباس بن عبد المطلب » . وجملة
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا
استئناف ، وجيء بالموصول للدلالة على علّة بناء الخبر وهو قوله :
لا يَقُومُونَ
إلى آخره . والأكل في الحقيقة ابتلاع الطعام ، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص ، وأصله تمثيل ، ثم صار حقيقة عرفية فقالوا : أكل مال الناس
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى
[ النساء : 10 ] -
أَ لا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ
[ الصافات : 91 ، 92 ] ، ولا يختصّ بأخذ الباطل ففي القرآن
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
[ النساء : 4 ] . والربا : اسم على وزن فعل بكسر الفاء وفتح العين لعلّهم خفّفوه من الرباء - بالمد - فصيّروه اسم مصدر ، لفعل ربا الشيء يربو ربوا - بسكون الباء على القياس كما في « الصحاح » وبضم الراء والباء كعلو - وربّاء بكسر الراء وبالمد مثل الرّماء إذا زاد قال تعالى :
فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ
[ الروم : 39 ] ، وقال :
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ *
[ الحج : 5 ] ، - ولكونه من ذوات الواو ثني على ربوان . وكتب بالألف ، وكتبه بعض الكوفيين بالياء نظرا لجواز الإمالة فيه لمكان كسرة الراء « 1 » ثم ثنّوه بالياء لأجل الكسرة أيضا - قال الزجاج : ما رأيت خطأ أشنع من هذا ، ألا يكفيهم الخطأ في الخطّ حتى أخطئوا في التثنية كيف وهم يقرءون
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا
[ الروم : 39 ] - بفتحة على الواو -
فِي أَمْوالِ النَّاسِ
[ الروم : 39 ] يشير إلى قراءة عاصم والأعمش ، وهما كوفيان ، وبقراءتهما يقرأ أهل الكوفة . وكتب الربا في المصحف حيثما وقع بواو بعدها ألف ، والشأن أن يكتب ألفا ، فقال
هامش
( 1 ) من العرب من جعل الراء المكسورة في الكلمة ذات الألف المنقلبة عن واو تجوز إمالتها سواء تقدمت الراء نحو ربا أم تأخرت نحو دار .