تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
القيس : على لاحب لا يهتدى بمناره يريد نفي المنار والاهتداء ، وقرينة هذا المقصود أنّهم وصفوا بأنّهم يحسبون أغنياء من التعفّف ، ونظيره قوله تعالى :
ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
[ غافر : 18 ] أي لا شفيع أصلا ، ثم حيث لا شفيع فلا إطاعة ، فأنتج لا شفيع يطاع ، فهو مبالغة في نفي الشفيع لأنّه كنفيه بنفي لازمه وجعلوه نوعا من أنواع الكناية ، وقال التفتازاني : « إنّما تحسن هذه الطريقة إذا كان القيد الواقع بعد النفي بمنزلة اللازم للنفي لأنّ شأن اللّاحب أن يكون له منار ، وشأن الشفيع أن يطاع ، فيكون نفي اللازم نفيا للملزوم بطريق برهاني ، وليس الإلحاف بالنسبة إلى السؤال كذلك ، بل لا يبعد أن يكون ضدّ الإلحاف - وهو الرفق والتلطّف - أشبه باللازم » ( أي أن يكون المنفي مطرد اللزوم للمنفي عنه ) . وجوّز صاحب « الكشاف » أن يكون المعنى أنّهم إن سألوا سألوا بتلطّف خفيف دون إلحاف ، أي إنّ شأنهم أن يتعفّفوا ، فإذا سألوا سألوا بغير إلحاف ، وهو بعيد لأنّ فصل الجملة عن التي قبلها دليل على أنّها كالبيان لها ، والأظهر الوجه الأول - الذي جعل في « الكشاف » ثانيا - وأجاب الفخر بأنّه تعالى وصفهم بالتعفّف فأغنى عن ذكر أنّهم لا يسألون ، وتعين أنّ قوله :
لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
تعريض بالملحفين في السؤال ، أي زيادة فائدة في عدم السؤال .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
. أعيد التحريض على الإنفاق فذكر مرة رابعة ، وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ *
كناية عن الجزاء عليه لأن العلم يكنّى به عن أثره كثيرا ، فلما كان الإنفاق مرغّبا فيه من اللّه ، وكان علم اللّه بذلك معروفا للمسلمين ، تعيّن أن يكون الإخبار بأنّه عليم به أنّه عليم بامتثال المنفق ، أي فهو لا يضيع أجره إذ لا يمنعه منه مانع بعد كونه عليما به ، لأنّه قدير عليه . وقد حصل بمجموع هذه المرات الأربع من التحريض ما أفاد شدة فضل الإنفاق بأنّه نفع للمنفق ، وصلة بينه وبين ربّه ، ونوال الجزاء من اللّه ، وأنّه ثابت له في علم اللّه . [ 274 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 274 ]

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 274 ) جملة مستأنفة تفيد تعميم أحوال فضائل الإنفاق بعد أن خصّص الكلام بالإنفاق