تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
والدعوة إلى طاعته ونحو ذلك ، وفي الحديث القدسي : « وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه » . والذكر في قوله :
أَذْكُرْكُمْ
يجيء على المعنيين ، ولا بد من تقدير في قوله :
فَاذْكُرُونِي
على الوجهين لأن الذكر لا يتعلق بذات اللّه تعالى فالتقدير اذكروا عظمتي وصفاتي وثنائي وما ترتب عليها من الأمر والنهي ، أو اذكروا نعمي ومحامدي ، وهو تقدير من دلالة الاقتضاء ، وأما
أَذْكُرْكُمْ
فهو مجاز ، أي أعاملكم معاملة من ليس بمغفول عنه بزيادة النعم والنصر والعناية في الدنيا ، وبالثواب ورفع الدرجات في الآخرة ، أو أخلق ما يفهم منه الناس في الملأ الأعلى وفي الأرض فضلكم والرضى عنكم ، نحو قوله :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
[ آل عمران : 110 ] ، وحسن مصيركم في الآخرة ، لأن الذكر بمعنييه الحقيقيين مستحيل على اللّه تعالى . ثم إن تعديته للمفعول أيضا على طريق دلالة الاقتضاء إذ ليس المراد تذكر الذوات ولا ذكر أسمائها بل المراد تذكر ما ينفعهم إذا وصل إليهم وذكر فضائلهم . وقوله :
وَاشْكُرُوا لِي
أمر بالشكر الأعم من الذكر من وجه أو مطلقا ، وتعديته للمفعول باللام هو الأفصح وتسمى هذه اللام لام التبليغ ولام التبيين كما قالوا نصح له ونصحه كقوله تعالى :
فَتَعْساً لَهُمْ
[ محمد : 8 ] وقول النابغة :
شكرت لك النّعمى وأثنيت جاهدا * وعطّلت أعراض العبيد بن عامر
وقوله :
وَلا تَكْفُرُونِ
نهي عن الكفران للنعمة ، والكفران مراتب أعلاها جحد النعمة وإنكارها ثم قصد إخفائها ، ثم السكوت عن شكرها غفلة وهذا أضعف المراتب وقد يعرض عن غير سوء قصد لكنه تقصير . قال ابن عرقة : « ليس عطف قوله :
وَلا تَكْفُرُونِ
بدليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده وذلك لأن الأمر بالشكر مطلق ( أي لأن الأمر لا يدل على التكرار فلا عموم له ) فيصدق بشكره يوما واحدا فلما قال
وَلا تَكْفُرُونِ
أفاد النهي عن الكفر دائما » اه ، يريد لأن الفعل في سياق النهي يعم ، مثل الفعل في سياق النفي لأن النهي أخو النفي . [ 153 ، 154 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 153 إلى 154 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) هذه جمل معترضة بين قوله تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة :