تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
. تفريع مرتب على قوله :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
[ البقرة : 229 ] وما بينهما بمنزلة الاعتراض ، على أن تقديمه يكسبه تأثيرا في تفريع هذا على جميع ما تقدم ؛ لأنه قد علم من مجموع ذلك أن بعد المرتين تخييرا بني المراجعة وعدمها ، فرتب على تقدير المراجعة المعبر عنها بالإمساك
فَإِنْ طَلَّقَها
وهو يدل بطريق الاقتضاء على مقدر أي فإن راجعها فطلقها لبيان حكم الطلقة الثالثة . وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
[ البقرة : 229 ] إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات ، فذكر قوله :
فَإِنْ طَلَّقَها
زيادة في البيان ، وتمهيد لقوله :
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
إلخ فالفاء إما عاطفة لجملة
فَإِنْ طَلَّقَها
على جملة
فَإِمْساكٌ
[ البقرة : 229 ] باعتبار ما فيها من قوله
فَإِمْساكٌ
، إن كان المراد من الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها ، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها ، فلا تحل له من بعد ، وهذا هو الظاهر ، وإما فصيحة لبيان قوله :
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
[ البقرة : 229 ] ، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق ، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد ، وإعادة هذا على هذا الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج ، تصريحا بما فهم من قوله :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على الوجهين المتقدمين ، ولا يعوزك توزيعه عليهما ، والضمير المستتر راجع للمطلق المستفاد من قوله :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
والضمير المنصوب راجع للمطلقة المستفادة من الطلاق أيضا ، كما تقدم في قوله :
إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
[ البقرة : 229 ] . والآية بيان لنهاية حق المراجعة صراحة ، وهي إما إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وتشريع إسلامي جديد ، وإما نسخ لما تقرر أول الإسلام إذا صح ما رواه أبو داود في « سننه » ، في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ، عن ابن عباس « أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك ونزل
الطَّلاقُ مَرَّتانِ
. ولا يصح بحال عطف قوله :
فَإِنْ طَلَّقَها
على جملة
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا
[ البقرة : 229 ] ، ولا صدق الضميرين على ما صدقت عليه ضمائر
إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما
، و
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
لعدم صحة تعلق حكم قوله تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ