تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
يزيد فيأخذ منها مالا ، بخلاف آية البقرة فهي في إرادة المرأة فراق زوجها عن كراهية .
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
. جملة
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
معترضة بين جملة
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً
وما اتصل بها ، وبين الجملة المفرعة عليها وهي
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
الآية . ومناسبة الاعتراض ما جرى في الكلام الذي قبلها من منع أخذ العوض عن الطلاق ، إلا في حالة الخوف من ألا يقيما حدود اللّه ، وكانت حدود اللّه مبينة في الكتاب والسنة ، فجيء بهذه الجملة المعترضة تبيينا ؛ لأن منع أخذ العوض على الطلاق هو من حدود اللّه . وحدود اللّه استعارة للأوامر والنواهي الشرعية بقرينة الإشارة ، شبهت بالحدود التي هي الفواصل المجعولة بين أملاك الناس ، لأن الأحكام الشرعية ، تفصل بين الحلال والحرام ، والحق والباطل وتفصل بين ما كان عليه الناس قبل الإسلام ، وما هم عليه بعده . والإقامة في الحقيقة الإظهار والإيجاد ، يقال : أقام حدا لأرضه ، وهي هنا استعارة للعمل بالشرع تبعا لاستعارة الحدود للأحكام الشرعية ، وكذلك إطلاق الاعتداء الذي هو تجاوز الحد على مخالفة حكم الشرع ، هو استعارة تابعة لتشبيه الحكم بالحد . وجملة :
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
تذييل وأفادت جملة
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
حصرا وهو حصر حقيقي ، إذ ما من ظالم إلا وهو متعد لحدود اللّه ، فظهر حصر حال المتعدي حدود اللّه في أنه ظالم . واسم الإشارة من قوله :
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
مقصود منه تمييز المشار إليه ، أكمل تمييز ، وهو من يتعدى حدود اللّه ، اهتماما بإيقاع وصف الظالمين عليهم . وأطلق فعل
يَتَعَدَّ
على معنى يخالف حكم اللّه ترشيحا لاستعارة الحدود لأحكام اللّه ، وهو مع كونه ترشيحا مستعار لمخالفة أحكام اللّه ؛ لأن مخالفة الأمر والنهي تشبه مجاوزة الحد في الاعتداء على صاحب الشيء المحدود . وفي الحديث : « ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى اللّه محارمه » . [ 230 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 230 ]

فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 230 )
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 393 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور