تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
المعمول الآخر بين أن يرفعه وأن ينصبه وشأن اسم
لَيْسَ
أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به ، فوجه قراءة رفع
الْبِرَّ
أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر ، وأما توجيه قراءة النصب فلأن أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذكر خبره قبله ترقب السامع المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه . وقوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ
إخبار عن المصدر باسم الذّات للمبالغة كعكسه في قولها : « فإنما هي إقبال وإدبار » وذلك كثير في الكلام ومنه قوله تعالى :
إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً
[ الملك : 30 ] وقول النابغة :
وقد خفت ما تزيد مخافتي * على وعل في ذي المطارة عاقل
أي وعل هو مخافة أي خائف ، ومن قدر في مثله مضافا أي برّ من آمن أو ولكن ذو البر فإنما عنى بيان المعنى لا أن هنالك مقدارا ؛ لأنه يخرج الكلام عن البلاغة إلى كلام مغول كما قال التفتازاني ، وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ لقرأت ولكن البر بفتح الباء ، وكأنه أراد الاستغناء عن التقدير في الإخبار عن البر بجملة :
مَنْ آمَنَ
لأن من آمن هو البار لا نفس البر وكيف يقرأ كذلك و
الْبِرَّ
معطوف بلكن في مقابلة البر المثبت فهل يكون إلّا عينه ولذا لم يقرأ أحد إلّا البر بكسر الباء ، على أن القراءات مروية وليست اختيارا ولعل هذا لا يصح عن المبرد . وقرأ نافع وابن عامر ( ولكن البر ) بتخفيف النون من لكن ورفع البر على الابتداء وقرأه بقية العشرة بتشديد نون ( لكن ) ونصب ( البر ) والمعنى واحد . وتعريف
وَالْكِتابِ
تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكتب اللّه مثل التوراة والإنجيل والقرآن ، ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم التباس التعريف بأن يكون للعهد ؛ لأن عطف ( النبيين ) على ( الكتاب ) قرينة على أن اللام في ( الكتاب ) للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلبا لخفة اللفظ . وما يظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع المعرف بها ليس جاريا على الاستعمال وإنما توهمه السكاكي في « المفتاح » في قوله تعالى :
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
[ مريم : 4 ] من كلام وقع في « الكشاف » وما نقل عن ابن عباس أنه قرأ قوله تعالى :
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ
[ البقرة : 285 ] ، وقال الكتاب أكثر من الكتب فلو صحّ عنه لم يكن مريدا به توجيه قراءته ( وكتابه ) المعرف بالإضافة بل عنى به الأسماء المنفية بلا التبرئة تفرقة بين
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 128 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور