تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
[ 176 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 176 ]

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 176 ) جيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علة أو نحوهما كقول النابغة :
وذلك من تلقاء مثلك رائع
بعد قوله :
أتاني أبيت اللعن أنّك لمتني
والكلام السابق الأظهر أنه قوله :
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
[ البقرة : 175 ] والمعنى أنهم استحقوا العذاب على كتمانهم بسبب أن اللّه أنزل الكتاب بالحق فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق وذلك فساد وتغيير لمراد اللّه ؛ لأن ما يكتم من الحق يخلفه الباطل كما بيناه آنفا فحقّ عليهم العذاب لكتمانه ، لأنه مخالف مراد اللّه من تنزيله ، وعليه فالكتاب في قوله :
بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ
هو عين الكتاب المذكور في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
[ البقرة : 174 ] وهو كتابهم التوراة والإنجيل ليكون الموضوع في العلة والحكم المعلّل واحدا ، وعليه فالجملة فصلت من الجملة التي قبلها لجريانها منها مجرى العلة . ويجوز أن يكون المشار إليه السابق هو الكتمان المأخوذ من
يَكْتُمُونَ
[ البقرة : 174 ] ، أي إنما كتموا ما كتموا بسبب أن اللّه نزل الكتاب بالحق فعلموا أنه على النعت الذي بشر اللّه به على لسان التوراة . والمعنى أنهم كتموا دلائل صدق النبي حسدا وعنادا ؛ لأن اللّه أنزل القرآن على محمد ، فالكتاب هنا غير الكتاب في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
[ البقرة : 174 ] . والجملة على هذا الوجه استئناف بياني لاستغراب تعمدهم كتمان ما أنزل اللّه من الكتاب وإن هذا الصنع الشنيع لا يكون إلّا عن سبب عظيم ، فبين بقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ
. وقوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
تذييل ولكنه عطف بالواو لأنه يتضمن تكملة وصف الذين اشتروا الضلالة بالهدى ووعيدهم ، والمراد بالذين اختلفوا
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 125 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور