استئناف بياني ، ذلك أن الإذن بأكل الطيبات يثير سؤال من يسأل ما هي الطيبات فجاء هذا الاستئناف مبيّنا المحرمات وهي أضداد الطيبات ، لتعرف الطيبات بطريق المضادة المستفادة من صيغة الحصر ، وإنما سلك طريق بيان ضد الطيبات للاختصار ؛ فإن المحرمات قليلة ، ولأن في هذا الحصر تعريضا بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم كثيرا من الطيبات وأحلوا الميتة والدم ، ولما كان القصر هنا حقيقيا لأن المخاطب به هم المؤمنون وهم لا يعتقدون خلاف ما يشرع لهم ، لم يكن في هذا القصر قلب اعتقاد أحد وإنما حصل الرد به على المشركين بطريقة التعريض .
و
إِنَّما
بمعنى ما وإلّا أي ما حرّم عليكم إلّا الميتة وما عطف عليها ، ومعلوم من المقام أن المقصود ما حرّم من المأكولات .
والحرام : الممنوع منعا شديدا .
والميتة بالتخفيف هي في أصل اللغة الذّات التي أصابها الموت فمخففها ومشدّدها سواء كالميت والميّت ، ثم خص المخفف مع التأنيث بالدابة التي تقصد ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة ، فقيل : إن هذا من نقل الشرع وقيل : هو حقيقة عرفية قبل الشرع وهو الظاهر بدليل إطلاقها في القرآن على هذا المعنى .
وقرأ الجمهور ( الميتة ) بتخفيف الياء وقرأه أبو جعفر بتشديد الياء .
وإضافة التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ، ومحمله على تحريم ما يقصد من تلك العين باعتبار نوعها نحو
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ
[ المائدة : 3 ] أو باعتبار المقام نحو
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
[ النساء : 23 ] فيقدر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق ، أو يقال : أقيم اسم الذات مقام الفعل المقصود منها للمبالغة ، فإذا تعين ما تقصد له قصر التحريم والتحليل على ذلك ، وإلّا عمّم احتياطا ، فنحو
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ
متعين لحرمة تزوجهن وما هو من توابع ذلك كما اقتضاه السياق ، فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن أو محادثتهن ، ونحو :
فَاجْتَنِبُوهُ
[ المائدة : 90 ] بالنسبة إلى الميسر والأزلام متعين لاجتناب اللعب بها دون نجاسة ذواتها .
والميتة هنا عام ؛ لأنه معرّف بلام الجنس ، فتحريم أكل الميتة هو نصّ الآية