وجدتموهم لا يعقلون ؛ لأنهم كالأنعام والصمّ والبكم إلخ ، وإن كان راجعا للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين عبدوها . ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم .
[ 172 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 172 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 )
اعتراض بخطاب المسلمين بالامتنان عليهم بإباحة ما في الأرض من الطيبات ، جرّت إليه مناسبة الانتقال ، فقد انتقل من توبيخ أهل الشرك على أن حرّموا ما خلقه اللّه من الطيبات إلى تحذير المسلمين من مثل ذلك مع بيان ما حرّم عليهم من المطعومات ، وقد أعيد مضمون الجملة المتقدمة جملة
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ
[ البقرة : 168 ] بمضمون جملة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
ليكون خطاب المسلمين مستقلا بنفسه ، ولهذا كان الخطاب هنا بيا أيها الذين آمنوا ، والكلام على الطيبات تقدم قريبا .
وقوله :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ
معطوف على الأمر بأكل الطيبات الدال على الإباحة والامتنان ، والأمر في
اشْكُرُوا
للوجوب لأن شكر المنعم واجب . وتقدم وجه تعدية فعل الشكر بحرف اللام عند قوله تعالى :
وَاشْكُرُوا لِي
[ البقرة : 152 ] .
والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعارا بالإلهية فكأنه يومئ إلى ألّا تشكر الأصنام ؛ لأنها لم تخلق شيئا مما على الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكرا . وهذا من جعل اللقب ذا مفهوم بالقرينة ؛ إذ الضمير لا يصلح لذلك إلّا في مواضع . ولذلك جاء بالشرط فقال :
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف بأنه لا يعبد إلّا اللّه أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم ، ومن شأن كان إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع بالفعل مثل قوله :
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ
[ يوسف : 43 ] أي إن كان هذا العلم من صفاتكم ، والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه وحده . فالمراد بالعبادة هنا الاعتقاد بالإلهية والخضوع والاعتراف وليس المراد بها الطاعات الشرعية .
وجواب الشرط محذوف أغني عنه ما تقدم من قوله
وَاشْكُرُوا
.
[ 173 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 173 ]
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 )