تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
من القرآن » ، وأثبت القنوت الذي يقال في صلاة الصبح على أنه سورة من القرآن سماها سورة الخلع والخنع ، وجعل سورة الفيل وسورة قريش سورة واحدة ، وكل ذلك استنادا لما فهمه من نزول القرآن . ولم يحفظ عن جمهور الصحابة حين جمعوا القرآن أنهم ترددوا ولا اختلفوا في عدد سوره ، وأنها مائة وأربع عشرة سورة ، روى أصحاب « السنن » عن ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا نزلت الآية يقول : ضعوها في السورة التي يذكر فيها كذا ، وكانت السور معلومة المقادير منذ زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم محفوظة عنه في قراءة الصلاة وفي عرض القرآن ، فترتيب الآيات في السور هو بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكذلك عزا ابن عطية إلى مكي بن أبي طالب وجزم به السيوطي في « الإتقان » ، وبذلك يكون مجموع السورة من الآيات أيضا توقيفيا ، ولذلك نجد في « الصحيح » أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ في الصلاة سورة كذا وسورة كذا من طوال وقصار ، ومن ذلك حديث صلاة الكسوف ، وفي « الصحيح » أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يزوجه امرأة فقال له النبي : « هل عندك ما تصدقها ؟ » قال : لا ، فقال : « ما معك من القرآن ؟ » قال : سورة كذا وسورة كذا لسور سماها ، فقال : « قد زوّجتكها بما معك من القرآن » وسيأتي مزيد شرح لهذا الغرض عند الكلام على أسماء السور . وفائدة التسوير ما قاله صاحب « الكشاف » في تفسير قوله تعالى :
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] « إن الجنس إذا انطوت تحته أنواع كان أحسن وأنبل من أن يكون ببّانا « 1 » واحدا ، وإن القارئ إذا ختم سورة أو بابا من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلا أو طوى فرسخا » . وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض ، فقال أبو بكر الباقلاني : يحتمل أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي أمر بترتيبها كذلك ، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ، وقال الداني : كان جبريل يوقف رسول اللّه على موضع الآية وعلى موضع السورة وفي « المستدرك » عن زيد بن ثابت أنه قال : « كنا عند رسول اللّه نؤلف القرآن من الرقاع » قال البيهقي : تأويله أنهم كانوا يؤلفون آيات السور . ونقل ابن عطية عن الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت بمشاركة عثمان ، قال ابن عطية : وظاهر الأثر أن السبع الطوال والحواميم والمفصل كانت مرتبة في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان من السور ما
هامش
( 1 ) ببّانا بموحدتين ثانيتهما مشددة ونون . قال السيد : هو الشيء ، وكأن الكلمة يمانية .