تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
ولما كان القرآن مرادا منه فهم معانيه وإعجاز الجاحدين به وكان قد نزل بين أهل اللسان ، كان فهم معانيه مفروغا من حصوله عند جميعهم ، فأما التحدي بعجز بلغائهم عن معارضته فأمر يرتبط بما فيه من الخصوصيات البلاغية التي لا يستوي في القدرة عليها جميعهم بل خاصّة بلغائهم من خطباء وشعراء ، وكان من جملة طرق الإعجاز ما يرجع إلى محسّنات الكلام من فنّ البديع ، ومن ذلك فواصل الآيات التي هي شبه قوافي الشعر وأسجاع النثر ، وهي مرادة في نظم القرآن لا محالة كما قدّمناه عند الكلام على آيات القرآن فكان عدم الوقف عليها تفريطا في الغرض المقصود منها . لم يشتدّ اعتناء السلف بتحديد أوقافه لظهور أمرها ، وما ذكر عن ابن النحاس من الاحتجاج لوجوب ضبط أوقاف القرآن بكلام لعبد اللّه بن عمر ليس واضحا في الغرض المحتج به فانظره في « الإتقان » للسيوطي . فكان الاعتبار بفواصله التي هي مقاطع آياته عندهم أهمّ لأنّ عجز قادتهم وأولي البلاغة والرأي منهم تقوم به الحجة عليهم وعلى دهمائهم ، فلما كثر الداخلون في الإسلام من دهماء العرب ومن عموم بقية الأمم ، توجه اعتناء أهل القرآن إلى ضبط وقوفه تيسيرا لفهمه على قارئيه ، فظهر الاعتناء بالوقوف وروعي فيها ما يراعى في تفسير الآيات فكان ضبط الوقوف مقدمة لما يفاد من المعاني عند واضع الوقف . وأشهر من تصدّى لضبط الوقوف أبو محمّد بن الأنباري ، وأبو جعفر بن النحاس ، وللنكزاوي أو النكزوي كتاب في « الوقف » ذكره في « الإتقان » ، واشتهر بالمغرب من المتأخرين محمّد بن أبي جمعة الهبطي المتوفى سنة 930 .

سور القرآن

السورة قطعة من القرآن معيّنة بمبدإ ونهاية لا يتغيران ، مسماة باسم مخصوص ، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام ترتكز عليه معاني آيات تلك السورة ، ناشئ عن أسباب النزول ، أو عن مقتضيات ما تشتمل عليه من المعاني المتناسبة . وكونها تشتمل على ثلاث آيات مأخوذ من استقراء سور القرآن مع حديث عمر فيما رواه أبو داود عن الزبير قال : « جاء الحارث بن خزيمة ( هو المسمى في بعض الروايات خزيمة وأبا خزيمة ) بالآيتين من آخر سورة براءة فقال : أشهد أني سمعتهما من رسول اللّه ، فقال عمر وأنا أشهد لقد سمعتهما منه ، ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة » إلخ ،