تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 684

مساهمون:

ص٦٨٤
معظم المصاحف الأصلية إلا إبراهيم بإثبات الياء ، قال أبو عمرو الداني لم أجد في مصاحف العراق والشام مكتوبا إبراهم بميم بعد الهاء ولم يكتب في شيء من المصاحف إبراهام بالألف بعد الهاء على وفق قراءة هشام ، قال أبو زرعة سمعت عبد اللّه بن ذكوان قال : سمعت أبا خليد القارئ يقول في القرآن ستة وثلاثون موضعا إبراهام قال أبو خليد : فذكرت ذلك لمالك بن أنس فقال عندنا مصحف قديم فنظر فيه ثم أعلمني أنه وجدها فيه كذلك ، وقال أبو بكر ابن مهران روى عن مالك بن أنس أنه قيل له : إن أهل دمشق يقرءون إبراهام ويدعون أنها قراءة عثمان رضي اللّه عنه فقال مالك ها مصحف عثمان عندي ثم دعا به فإذا فيه كما قرأ أهل دمشق . وتقديم المفعول وهو لفظ ( إبراهيم ) لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم رب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز فلذلك لم يقل وإذ ابتلى اللّه إبراهيم . والكلمات الكلام الذي أوحى اللّه به إلى إبراهيم إذ الكلمة لفظ يدل على معنى والمراد بها هنا الجمل كما في قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
[ المؤمنون : 100 ] ، وأجملها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله لتكاليف فأتى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء ، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة ، ولعل جمع الكلمات جمع السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة ، فلعل منها الأمر بذبح ولده ، وأمره بالاختتان ، وبالمهاجرة بهاجر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أمره بذبح ولده إسماعيل بوحي من اللّه إليه في الرؤيا ، وقد سمي ذلك بلاء في قوله تعالى :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ
[ الصافات : 106 ] . وقوله :
فَأَتَمَّهُنَّ
جيء فيه بالفاء للدلالة على الفور في الامتثال وذلك من شدة العزم . والإتمام في الأصل الإتيان بنهاية الفعل أو إكمال آخر أجزاء المصنوع . وتعدية فعل أتم إلى ضمير ( كلمات ) مجاز عقلي ، وهو من تعليق الفعل بحاوي المفعول لأنه كالمكان له وفي معنى الإتمام قوله تعالى :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النجم : 37 ] ، وقوله :
قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا
[ الصافات : 105 ] ، فالإفعال هنا بمعنى إيقاع الفعل على الوجه الأتم وليس المراد بالهمز التصيير أي صيرها تامة بعد أن كانت ناقصة إذ ليس المراد أنه فعل بعضها ثم أتى بالبعض الآخر ، فدل قوله :
فَأَتَمَّهُنَّ
مع إيجازه على الامتثال وإتقانه والفور فيه . وهذه الجملة هي المقصود من جزء القصة فيكون عطفها للدلالة على أنه ابتلى
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 684 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور