تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
منهم في بعض الأيام فإن إيمان أفراد قليلة منهم يستلزم صدور إيمان من مجموع بني إسرائيل في أزمنة قليلة أو حصول إيمانات قليلة . ويجوز أن يكون ( قليلا ) هنا مستعملا في معنى العدم فإن القلة تستعمل في العدم في كلام العرب قال أبو كبير الهذلي :
قليل التشكي للمهم يصيبه * كثير الهوى شتى النوى والمسالك
أراد أنه لا يتشكى ، وقال عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود في أرض نصيبين « كثيرة العقارب قليلة الأقارب » أراد عديمة الأقارب ويقولون : فلان قليل الحياء وذلك كله إما مجاز لأن القليل شبه بالعدم وإما كناية وهو أظهر لأن الشيء إذا قل آل إلى الاضمحلال فكان الانعدام لازما عرفيا للقلة ادعائيا فتكون ( ما ) مصدرية والوجهان أشار إليهما في « الكشاف » باختصار واقتصر على الوجه الثاني منهما في تفسيره قوله تعالى :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
في سورة النمل [ 62 ] فقال : « والمعنى نفي التذكير والقلة تستعمل في معنى النفي » وكأنّ وجه ذلك أن التذكر من شأنه تحصيل العلم فلو تذكر المشركون المخاطبون بالآية لحصل لهم العلم بأن اللّه واحد لا شريك له ، كيف وخطابهم بقوله :
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
المقصود منه الإنكار بناء على أنهم غير معتقدين ذلك . [ 89 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ]

وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) معطوف على قوله :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
[ البقرة : 88 ] لقصد الزيادة في الإنحاء عليهم بالتوبيخ فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضا مجردا عن الأدلة لكان في إعراضهم معذرة ما ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معهم والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين . فقوله :
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
متعلق بجاءهم وليس صفة لأنه ليس أمرا مشاهدا معلوما حتى يوصف به . وقوله :
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
وصف شأن لقصد زيادة التسجيل عليهم بالمذمة في هذا الكفر والقول في تفسيره قد مضى عند قوله تعالى :
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
[ البقرة : 41 ] . والاستفتاح ظاهره طلب الفتح أي النصر قال تعالى :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
[ الأنفال : 19 ] وقد فسروه بأن اليهود كانوا إذا قاتلوا المشركين أي من أهل المدينة استنصروا عليهم بسؤال اللّه أن يبعث إليهم الرسول الموعود به في التوراة . وجوز أن يكون
يَسْتَفْتِحُونَ
بمعنى يفتحون أي يعلمون ويخبرون كما يقال فتح على القارئ أي علمه