تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ
[ البقرة : 92 ] . والقلوب مستعملة في معنى الأذهان على طريقة كلام العرب في إطلاق القلب على العقل . والغلف بضم فسكون جمع أغلف وهو الشديد الغلاف مشتق من غلّفه إذا جعل له غلافا وهو الوعاء الحافظ للشيء والساتر له من وصول ما يكره له . وهذا كلام كانوا يقولونه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين يدعوهم للإسلام قصدوا به التهكم وقطع طمعه في إسلامهم وهو كقول المشركين :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] . وفي الكلام توجيه لأن أصل الأغلف أن يكون محجوبا عما لا يلائمه فإن ذلك معنى الغلاف فهم يخيلون أن قلوبهم مستورة عن الفهم ويريدون أنها محفوظة من فهم الضلالات ولذلك قال المفسرون : إنه مؤذن بمعنى أنها لا تعي ما تقول ولو كان حقا لوعته ، وهذان المعنيان اللذان تضمنهما لتوجيه يلاقيهما الرد بقوله تعالى :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
أي ليس عدم إيمانهم لقصور في أفهامهم ولا لربوها عن قبول مثل ما دعوا إليه ولكن لأنهم كفروا فلعنهم اللّه بكفرهم وأبعدهم عن الخير وأسبابه . وبهذا حصل المعنيان المرادان لهم من غير حاجة إلى فرض احتمال أن يكون ( غلف ) جمع غلاف لما فيه من التكلف في حذف المضاف إليه حتى يقدر أنها أوعية للعلم والحق فلا يتسرب إليها الباطل . وقوله :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفات لحجة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلما صمموا على ذلك عاقبهم اللّه باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول ، فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن اللّه خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية . وقوله :
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
تفريع على
لَعَنَهُمُ
و
فَقَلِيلًا
صفة لمحذوف دل عليه الفعل والتقدير فإيمانا قليلا وما زائدة للمبالغة في التقليل والضمير لمجموع بني إسرائيل ويجوز أن يكون ( قليلا ) صفة للزمان الذي يستلزمه الفعل أي فحينا قليلا يؤمنون . وقيل يجوز أن يكون باقيا على حقيقته مشارا به إلى إيمانهم ببعض الكتاب أو إلى إيمانهم ببعض ما يدعو له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مما يوافق دينهم القديم كالتوحيد ونبوءة موسى أو إلى إيمان أفراد
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 582 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور