تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
الإعراض عن قطع ما أمر اللّه به أن يوصل هو موالاة المؤمنين . وقيل اقتران القول بالعمل . وقيل التفرقة بين الأنبياء في الإيمان ببعض والكفر ببعض . وقال البغوي يعني بما أمر اللّه به أن يوصل الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وبجميع الرسل . وأقول تكميلا لهذا إن مراد اللّه تعالى مما شرع للناس منذ النشأة إلى ختم الرسالة واحد وهو إبلاغ البشر إلى الغاية التي خلقوا لها وحفظ نظام عالمهم وضبط تصرفاتهم فيه على وجه لا يعتوره خلل ، وإنما اختلفت الشرائع على حسب مبلغ تهيئ البشر لتلقي مراد اللّه تعالى ولذلك قلما اختلفت الأصول الأساسية للشرائع الإلهية قال تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ
[ الشورى : 13 ] الآية . وإنما اختلفت الشرائع في تفاريع أصولها اختلافا مراعى فيه مبلغ طاقة البشر لطفا من اللّه تعالى بالناس ورحمة منه بهم حتى في حملهم على مصالحهم ليكون تلقيهم لذلك أسهل ، وعملهم به أدوم ، إلى أن جاءت الشريعة الإسلامية في وقت راهق فيه البشر مبلغ غاية الكمال العقلي وجاءهم دين تناسب أحكامه وأصوله استعدادهم الفكري وإن تخالفت الأعصار وتباعدت الأقطار فكان دينا عاما لجميع البشر ، فلا جرم أن كانت الشرائع السابقة تمهيدا له لتهييئ البشر لقبول تعاليمه وتفاريعها التي هي غاية مراد اللّه تعالى من الناس ولذا قال تعالى :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 19 ] . فما من شريعة سلفت إلا وهي حلقة من سلسلة جعلت وصلة للعروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي عروة الإسلام فمتى بلغها الناس فقد فصوا ما قبلها من الحلق وبلغوا المراد ، ومتى انقطعوا في أثناء بعض الحلق فقد قطعوا ما أراد اللّه وصله ، فاليهود لما زعموا أنهم لا يحل لهم العدول عن شريعة التوراة قد قطعوا ما أمر اللّه به أن يوصل ففرقوا مجتمعه . والفساد في الأرض تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
[ البقرة : 12 ] ومن الفساد في الأرض عكوف قوم على دين قد اضمحل وقت العمل به وأصبح غير صالح لما أراد اللّه من البشر فإن اللّه ما جعل شريعة من الشرائع خاصة وقابلة للنسخ إلا وقد أراد منها إصلاح طائفة من البشر معينة في مدة معينة في علمه ، وما نسخ دينا إلا لتمام وقت صلوحيته للعمل به فالتصميم على عدم تلقي الناسخ وعلى ملازمة المنسوخ هو عمل بما لم يبق فيه صلاح للبشر فيصير ذلك فسادا في الأرض لأنه كمداواة المريض بدواء كان وصف له في حالة تبدلت من أحوال مرضه حتى أتى دين الإسلام عاما دائما
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 366 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور