تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
أهل الكتاب ليبننه للناس :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 187 ] الآية في تفاسير أخرى بعيدة . والصحيح عندي أن المراد بالعهد هو العهد الذي أخذه اللّه على بني إسرائيل غير مرة من إقامة الدين وتأييد الرسل وأن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن يؤمنوا بالدين كله ، وقد ذكرهم القرآن بعهود اللّه تعالى ونقضهم إياها في غير ما آية من ذلك قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[ البقرة : 40 ] .
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
إلى قوله :
فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ
[ المائدة : 12 - 13 ] إلخ وقوله :
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا
[ المائدة : 70 ] إلى قوله :
فَعَمُوا وَصَمُّوا
[ المائدة : 70 ، 71 ] .
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
إلى قوله :
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
[ البقرة : 80 - 84 ] إلى قوله :
وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ
[ البقرة : 85 ] بل إن كتبهم قد صرحت بعهود اللّه تعالى لهم وأنحت عليهم نقضهم لها وجعلت ذلك إنذارا بما يحل بهم من المصائب كما في كتاب أرميا ومراثي أرميا وغير ذلك ، بل قد صار لفظ العهد عندهم لقبا للشريعة التي جاء بها موسى . ولما كان قوله :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
الآية وصفا للفاسقين وكان المراد من الفاسقين اليهود كما علمت كان ذكر العهد إيماء إلى أن الفاسقين هنا هم ، وتسجيلا على اليهود بأنهم قد حق عليهم هذا الوصف من قبل اليوم بشهادة كتبهم وعلى ألسنة أنبيائهم فكان لاختيار لفظ العهد هنا وقع عظيم يتنزل منزلة المفتاح الذي يوضع في حل اللغز ليشير للمقصود فهو العهد الذي سيأتي ذكره في قوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي
[ البقرة : 40 ] . والميثاق مفعال وهو يكون للآلة كثيرا كمرقاة ومرآة ومحراث ، قال الخفاجي كأنه إشباع للمفعل ، وللمصدر أيضا نحو الميلاد والميعاد وهو الأظهر هنا . والضمير للعهد أي من بعد توكيد العهد وتوثيقه . ولما كان المراد بالعهد عهدا غير معيّن ، بل كل ما عاهدوا عليه كان توكيد كل ما يفرضه المخاطب بما تقدمه من العهود وما تأخر عنه فهو على حد :
وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها
[ النحل : 91 ] فالميثاق إذن عهد آخر اعتبر مؤكدا لعهد سبقه أو لحقه . وقوله :
وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
قيل ما أمر اللّه به أن يوصل هو قرابة الأرحام يعني وحيث ترجح أن المراد به بعض عمل اليهود فذلك إذ تقاتلوا وأخرجوا كثيرا منهم من ديارهم ولم تزل التوراة توصي بني إسرائيل بحسن معاملة بعضهم لبعض . وقيل