وقد انتقد بشار على كثيّر قوله :
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة * إذا لمسوها بالأكف تلين
فقال لو جعلها عصا مخ أو عصا زبد لما تجاوز من أن تكون عصا ، على أن بشارا هو القائل :
إذا قامت لجارتها تثنت * كأن عظامها من خيزران
وشبّه بشار عبدة بالحيّة في قوله :
وكأنها لما مشت * أيم تأود في كثيب
والاستحياء والحياء واحد ، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأخر واستجاب ، وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله ، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يفعل .
والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفا للّه تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى اللّه ، والتعلل لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعلل غير مسلم .
والضرب في قوله :
أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
مستعمل مجازا في الوضع والجعل من قولهم ضرب خيمة وضرب بيتا قال عبدة بن الطبيب :
إنّ التي ضربت بيتا مهاجرة * بكوفة الجند غالت ودّها غول
وقول الفرزدق :
ضربت عليك العنكبوت بنسجها * وقضى عليك به الكتاب المنزل
أي جعل شيئا مثلا أي شبها ، قال تعالى :
فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ
[ النحل : 74 ] أي لا تجعلوا له مماثلا من خلقه فانتصاب
مَثَلًا
على المفعول به . وجوز بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقا من الضرب بمعنى المماثل فانتصاب
مَثَلًا
على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلا مرادف مصدر فعله على هذا التقدير ، والمعنى لا يستحي أن يشبّه بشيء ما .
والمثل المثيل والمشابه وغلب على مماثلة هيئة بهيئة وقد تقدم عند قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
[ البقرة : 17 ] وتقدم هناك معنى ضرب المثل بالمعنى الآخر