تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
فما بالنا نرى كثيرا من أهل النقد قد نقدوا من كلام البلغاء ما اشتمل على مثل هذا كقول الفرزدق :
من عزّهم حجرت كليب بيتها * زربا كأنهم لديه القمّل
وقول أبي الطيب :
أماتكم من قبل موتكم الجهل * وجركم من خفة بكم النمل
وقول الطرمّاح :
ولو أن برغوثا على ظهر قملة * يكرّ على ضبعي تميم لولّت
قلت أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام الأديب من جانب صناعة الكلام ، ومن جانب صور المعاني ، ومن جانب المستحسن منها والمكروه وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب ، ألا ترى أنه قد يكون اللفظ مقبولا عند قوم غير مقبول عند آخرين ، ومقبولا في عصر مرفوضا في غيره ، ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان :
فإنك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعدّ من الجفاء أو العجرفة ، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع :
عذير الحي من عدوا * ن كانوا حيّة الأرض
وقول النابغة في رثاء الحارث الغسّاني :
ما ذا رزئنا به من حيّة ذكر * نضناضة بالرزايا صلّ أصلال
وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليّا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله :
أنت كالكلب في وفائك بالعه * د وكالتيس في قراع الخطوب
وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله :
عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري « 1 »
هامش
( 1 ) انظر : صفحة 4 جزء 3 من « محاضرات الأبرار » لابن عربي طبع حجر بمطبعة شعراوي سنة 1282 ه بالقاهرة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 355 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور