تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
والعبادة فعل يدل على الخضوع أو التعظيم الزائدين على المتعارف بين الناس . وأما إطلاقها على الطاعة فهو مجاز . والعبادة في الشرع أخص فتعرّف بأنها فعل ما يرضي الرب من خضوع وامتثال واجتناب ، أو هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه ، وقال الرازي في تفسير قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] ( ( العبادة تعظيم أمر اللّه والشفقة على الخلق ، وهذا المعنى هو الذي اتفقت عليه الشرائع وإن اختلفوا في الوضع والهيئة والقلة والكثرة ) ) ا ه فهي بهذا التفسير تشمل الامتثال لأحكام الشريعة كلها . وقد فسر الصوفية العبادة بأنها فعل ما يرضي الرب ، والعبودية بالرضا بما يفعل الرب . فهي أقوى . وقال بعضهم : العبودية الوفاء بالعهود ، وحفظ الحدود ، والرضا بالموجود . والصبر على المفقود . وهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها . قال الفخر : ( ( مراتب العبادة ثلاث : الأولى أن يعبد اللّه طمعا في الثواب وخوفا من العقاب وهي العبادة ، وهي درجة نازلة ساقطة لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب . الثانية أن يعبد اللّه لأجل أن يتشرف بعبادته والانتساب إليه بقبول تكاليفه وهي أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة لأن المقصود بالذات غير اللّه . الثالثة أن يعبد اللّه لكونه إلها خالقا مستحقا للعبادة وكونه هو عبدا له ، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية ) ) ا ه . قلت ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم والظاهر أنها ملحقة في الاسم بالمرتبة الثالثة أعني العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال في « الإشارات » : ( ( العارف يريد الحق لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبّده له فقط ولأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة ) ) ا ه فجعلهما حالة واحدة . وما ادعاه الفخر في سقوط الدرجة الأولى ونزول مرتبتها قد غلب عليه فيه اصطلاح غلاة الصوفية وإلا فإن العبادة للطمع والخوف هي التي دعا إليها الإسلام في سائر إرشاده ، وهي التي عليها جمهور المؤمنين وهي غاية التكليف ، كيف وقد قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] فإن بلغ المكلف إلى المرتبتين الأخريين فذلك فضل عظيم وقليل ما هم ، على أنه لا يخلو من ملاحظة الخوف والطمع في أحوال كثيرة ، نعم إن أفاضل الأمة متفاوتون في الاحتياج إلى التخويف والإطماع بمقدار تفاوتهم في العلم بأسرار التكليف ومصالحه وتفاوتهم في التمكن من مغالبة نفوسهم ، ومع ذلك لا