تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
الفكرة منتهاها فتخيل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربه بالإقبال ، كعكس هذا الالتفات في قول محمد بن بشير الخارجي ( نسبة إلى بني خارجة قبيلة ) :
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجة * تولّى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصّر * ونفس أضاق اللّه بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة * عصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
فخاطبه ابتداء ثم ذكر قصور رأيه وعدم انطباع نفسه على الخير فالتفت من خطابه إلى التعبير عنه بضمير الغيبة فقال : إذا هي حثته فكأنه تخيله قد تضاءل حتى غاب عنه ، وبعكس ذلك قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي
[ العنكبوت : 23 ] لاعتبار تشنيع كفر المتحدّث عنهم بأنهم كفروا بآيات صاحب ذلك الاسم الجليل ، وبعد تقرر ذلك انتقل إلى أسلوب ضمير المتكلم إذ هو الأصل في التعبير عن الأشياء المضافة إلى ذات المتكلم . ومما يزيد الالتفات وقعا في الآية أنه تخلص من الثناء إلى الدعاء ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
تخلصا يجئ بعده :
اهْدِنَا الصِّراطَ
ونظيره في ذلك قول النابغة في رثاء النعمان الغساني :
أبى غفلتي أني إذا ما ذكرته * تحرك داء في فؤادي داخل
وأن تلادي إن نظرت وشكّتي * ومهري وما ضمّت إليّ الأنامل
حباؤك والعيس العتاق كأنها * هجان المهى تزجى عليها الرحائل
وأبو الفتح ابن جني يسمى الالتفات « شجاعة العربية » كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء كما يتصرف الشجاع في مجال الوغي بالكر والفر . و ( إياك ) ضمير خطاب في حالة النصب . والأظهر أن كلمة ايا جعلت ليعتمد عليها الضمير عند انفصاله ولذلك لزمتها الضمائر نحو : إياي تعني ، وإيّاك أعني ، وإيّاهم أرجو . ومن هنا لك التزم في التحذير لأن الضمير انفصل عند التزام حذف العامل . ومن النحاة من جعل ( إيّا ) ضميرا منفصلا ملازما حالة واحدة وجعل الضمائر التي معه أضيفت إليه للتأكيد . ومنهم من جعل ( إيّا ) هو الضمير وجعل ما بعده حروفا لبيان الضمير . ومنهم من جعل ( إيّا ) اعتمادا للضمير كما كانت أيّ اعتمادا للمنادى الذي فيه ال . ومنهم من جعل ( إيّا ) اسما ظاهرا مضافا للمضمرات .