تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً
حسدا
مِمَّا أُوتُوا
أي آتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المهاجرين من أموال بني النضير المختصة به
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
حاجة إلى ما
شرح
وجملةيُحِبُّونَخبره . قوله : ( أي المدينة ) أي اتخذوا منزلا بإسلامهم من قبل قدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بسنتين ، فعصموها وحفظوها بالإسلام ، فكأنهم استحدثوا بناءها . قوله : ( أي ألفوه ) أشار بذلك إلى أن قوله :وَالْإِيمانَمعمول لمحذوف ويكون من عطف الجمل ، إذ لا معنى لتبوءوا الإيمان ، وهذا أحد الوجوه الجارية في قوله : علفتها تبنا وماء باردا ، أو ضمنتَبَوَّؤُامعنى لزموا . والمعنى : لزموا الدار والإيمان ، أو شبه تمكنهم في الإيمان باتخاذه منزلا ، ففيه جمع بين الحقيقة والمجاز . قوله :وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْأي نفوسهم . قوله : ( حسدا ) أي ولا غيظا ولا حزازة ، فالمراد بالحاجة هذه المعاني ، روي أن المهاجرين كانوا في دور الأنصار ، فلما غنم صلّى اللّه عليه وسلّم أموال بني النضير ، دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين ، من إنزالهم إياهم منازلهم ، وإشراكهم إياهم في الأموال ، ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم : إن أحببتم قسمت ما أفاء اللّه علي من بني النضير بينكم وبينهم ، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم ، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم ، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ : بل تقسمه بين المهاجرين ، ويكونون في دورنا كما كانوا ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار ، وأعطى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المهاجرين ولم يعط الأنصار إلا الثلاثة المتقدم ذكرهم . قوله : ( أي آتى النبي ) بيان للفاعل المحذوف ، وقوله : ( المهاجرين ) بيان للمفعول القائم مقام الفاعل ، وقوله : ( من أموال بني النضير ) بيان لما . قوله :وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْأي في كل شيء من أسباب المعاش ، حتى إن من كان عنده امرأتان ، كان ينزل عن إحداهما ، ويزوجها واحدا من المهاجرين ، والإيثار تقديم الغير على النفس ، وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية ، وذلك ينشأ عن قوة اليقين ، وغاية المحبة والصبر على المشقة . قوله :وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌأي يقدمون غيرهم في الأموال مع احتياجهم إليها ، وهذا الوصف لا يخص الأنصار ، فقد روي عن ابن عمر أنه قال : أهدي لرجل من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رأس شاة ، فقال : إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا ، فبعثه إليهم ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر ، حتى تداولها سبعة أبيات ، ثم عادت إلى الأول ، فنزلت هذه الآية . وروي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أخذ أربعمائة دينار ، فجعلها في صرة ثم قال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ، ثم امكث عنده في البيت حتى تنظر ما يصنع بها ، فذهب بها الغلام اليه وقال له : يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجاتك ، فقال : وصله اللّه ورحمه ثم قال : تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، حتى فقدها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره ، ووجده قد ربط مثلها إلى معاذ بن جبل ، فقال : اذهب بها اليه ، وامكث في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع ، فذهب بها اليه وقال له : يقول لك أمير المؤمنين ، اجعل هذه في بعض حاجاتك ، فقال : رحمه اللّه ووصله ، وقال : يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا ، وإلى بيت فلان بكذا ، فجاءت امرأة معاذ وقالت : نحن واللّه مساكين فأعطنا ، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها ، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك وقال : إنهم إخوة بعضهم من بعض ، ونحوه عن عائشة وغيرها .