يوسف متبرئا
هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها
ابن عمها ، روي أنه كان في المهد فقال
إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ
قدام
فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ
( 26 )
وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ
خلف
فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 27 )
فَلَمَّا رَأى
زوجها
قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ
أي قولك ما جزاء من أراد الخ
مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ
أيها النساء
عَظِيمٌ
( 28 ) ثم قال يا
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا
الأمر ولا تذكره لئلا يشيع
وَاسْتَغْفِرِي
يا زليخا
لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ
( 29 ) الآثمين واشتهر الخبر وشاع
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ
مدينة مصر
شرح
قولها :إِلَّا أَنْ يُسْجَنَفيه إشارة إلى أنها أرادت تخفيف السجن ، وإلا فلو أرادت التطويل والتعذيب بالسجن لقالت : إلا جعله من المسجونين ، كما قال فرعون لموسى :لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ.
قوله :قالَ هِيَ راوَدَتْنِيإلخ ، إنما قال ذلك لكونها اتهمته ، وإلا فلو سكتت ، لما كان يوسف متكلما بشيء من ذلك . قوله :مِنْ أَهْلِهاأي ليكون أقوى في نفي التهمة عن يوسف ، وهي منفية عنه بأمور منها : أنه خرج هاربا ، والطالب لا يهرب ، ومنها : كونها متزينة بأكمل الوجوه ، ومنها : شقها للقميص من خلف .
قوله : ( ابن عمها ) وقيل ابن خالها . قوله : ( روي أنه كان في المهد ) أي في الأحاديث الصحيحة وهو أحد قولين ، وقيل كان كبيرا حكيما ، وكان في ذلك الوقت جالسا مع الملك ، فلما رآهما خارج الباب ، وحصل منهما ما حصل قال :إِنْ كانَإلخ ، فكان ذلك على سبيل الفتيا .
قوله :إِنْ كانَ قَمِيصُهُإلخ ، إن قلت : إن القميص أمر ثان من قبل ، فلا معنى للتعليق عليه ، والجواب أن يقال : إن المعنى إن ثبت أن قميصه قد من قبل إلخ . قوله :فَصَدَقَتْالكلام على تقدير قد لتصحيح دخول الفاء في الجواب ، لأن جواب الشرط لا يقرن بالفاء ، إلا إذا كان لا يصلح لمباشرة الأداة ، وهذا ماض متصرف يصلح لمباشرتها .
قوله :إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌأي فيما يتعلق بأمر الجماع والشهوة ، وإلا فالرجال أعظم في الحيل والمكايد ، وإنما وصف كيد النساء بالعظم ، وكيد الشيطان بالضعف ، لأن كيد النساء أقوى ، بسبب أنهن حبائل الشيطان فكيدهن مقرون بكيد الشيطان فهما كيدان ، بخلاف كيد الشيطان دونهن فكيد واحد ، ولذا قال بعضهم : أنا أخاف من النساء ، أكثر مما أخاف من الشيطان ، لأن اللّه تعالى يقول :إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاًوقال في حق النساءإِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ.
قوله :وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِإن قلت : إنهم قوم مشركون فلا يعرفون ذنبا مع خالقهم ، فما الذنب الذي يطلب الاستغفار منه ؟ أجيب : بأن المراد بالذنب خيانتها لزوجها ، وفي هذا إشارة إلى أن العزيز قليل الغيرة ، ولذا قال بعضهم : إن تربة مصر تقتضي ذلك ؟ ولذا لا ينشأ فيها الأسد ، ولو دخل فيها لا يبقى .
قوله : ( الآثمين ) أي برمي يوسف وهو بريء . قوله : ( واشتهر الخبر ) قدره إشارة إلى أن قوله :وَقالَ نِسْوَةٌمرتب على محذوف ، وهذا الاشتهار منها ، وذلك أنها أخبرت بعض النساء بذلك ، وأمرتهن بالكتم فلم يكتمن .
قوله :وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِاختلف في عدتهن ، فقيل خمس وقيل أربعون ، وجمع بينهما ، بأن أصل الإشاعة كان من خمس وهن : امرأة صاحب الملك ، وامرأة صاحب دوابه ، وامرأة خبازه ، وامرأة