انقضاء آجالكم
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
ألهمه إياها وفي قراءة بنصب آدم ورفع كلمات أي جاءه وهي
( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا )
الآية فدعا بها
فَتابَ عَلَيْهِ
قبل توبته
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ
على عباده
شرح
يخرج أهلها منها ولا تكليف فيها ، والثلاثة قد حصلت . أجيب بأن ذلك في الدخول يوم القيامة ، وأما الدخول الأولى فلا يمتنع فيه شيء من ذلك . قوله : ( ألهمه إياها ) أي فهم آدم من ربه تلك الكلمات .
قوله : ( وفي قراءة ) أي سبعية لابن كثير . قوله : ( بنصب آدم ) أي على المفعولية ، وقوله : ( ورفع كلمات ) أي على الفاعلية فتحصل أن التلقي نسبة تصلح للجانبين ، يقال تلقيت زيدا وتلقاني زيد فالمعنى على القراءة الأولى ، تعلم آدم الكلمات فحفظ بسببها من المهالك ، وعلى الثانية الكلمات تلقت آدم من السقوط في المهاوي إذ لولاها لسقط فهي الدواء له ، وأما إبليس فلم يجعل اللّه له دواء فالكلمات جاءته بالإسعاف وهو جاءها بالقبول والتسليم ، ومن هنا أن الذاكر لا ينتفع بالذكر ولا ينور باطنه إلا إذا كان الشيخ عارفا وأذنه في ذلك ، والذاكر مشتاقا كتلقي آدم الكلمات . قوله : ( وهي ربنا ظلمنا أنفسنا إلخ ) مشى المفسر على أن المراد بالكلمات المذكورة في سورة الأعراف وهو أحد أقوال ، ولا يقال إن التلقي كان لآدم فقط والدعاء بها صدر منهما ، لأنه يقال إن الخطاب لآدم والمراد هو معها ، وكم من خطاب في القرآن يقصد به الرجال ، والمراد ما يشمل الرجال والنساء ، وقيل إن المراد بالكلمات سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، وتقدم أن معصية آدم ليست كالمعاصي بل من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ، والحق أن يقال إن ذلك من سر القدر ، فهو منهي عنه ظاهرا لا باطنا ، فإنه في الباطن مأمور بالأولى من قصة الخضر مع موسى وإخوة يوسف معه على أنهم أنبياء ، فإن اللّه حين قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة كان قبل خلقه ، وهذا الأمر مبرم يستحيل تخلفه ، فلما خلقه وأسكنه الجنة أعلمه بالنهي عن الشجرة صورة فهذا النهي صوري ، وأكله من الشجرة جبري لعلمه أن المصلحة مترتبة على أكله ، وإنما سمي معصية نظرا للنهي الظاهري ، فمن حيث الحقيقة لم يقع منه عصيان ، ومن حيث الشريعة وقعت منه المخالفة ، ومن ذلك قول ابن العربي : لو كنت مكان آدم لأكلت الشجرة بتمامها لما ترتب على أكله من الخير العظيم ، وإن لم يكن من ذلك إلا وجود سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لكفى . ومن هذا المقام قول الجبلي :ولي نكتة غرا هنا سأقولها * وحق لها أن ترعويها المسامعهي الفرق ما بين الولي وفاسق * تنبه لها فالأمر فيه بدائعوما هو إلا أنه قبل وقعه * يخبر قلبي بالذي هو واقعفأجني الذي يقضيه في مرادها * وعيني لها قبل الفعال تطالعفكنت أرى منها الإرادة قبل ما * أرى الفعل مني والأسير مطاوعإذا كنت في أمر الشريعة عاصيا * فإني في حكم الحقيقة طائعقوله :التَّوَّابُأي كثير التوبة ، بمعنى أن العبد كلما أذنب وتاب قبله فهو كثير القبول لتوبة من تاب ، ويسمى العبد توابا بمعنى أنه كلما أذنب ندم واستغفر ولا يصر ، وشرط توبة العبد الندم والإقلاع والعزم على أن لا يعود ، فإن كانت المعصية متعلقة بمخلوق اشترط إما رد المظالم لأهلها أو مسامحتهم له ، فكل من العبد والرب يسمى توابا بالوجه المتقدم ، لكن لا يقال في الرب تائب لأن أسماءه توقيفية ، وقد