تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
كلمات اللّه محدثة مخلوقة ، وقال القاضي : أطبق المفسرون على أنه ليس المراد بهذا الأمر كلام التنزيل ، بل المراد به نفاد إرادة اللّه تعالى ؛ لأن الغرض بالآية تعظيم قدرته . وقال آخرون لا يبعد أن يقال الأمر ، وإن كان داخلا تحت الخلق إلا أن الأمر بخصوص كونه أمرا يدل على نوع آخر من المكال والجمال ، فقوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : الآية 54 ] معناه له الخلق والإيجاد في المرتبة الأولى ، ثم بعد الإيجاد والتكوين فله الأمر والتكليف في المرتبة الثانية ، ألا ترى أنه لو قال وله التكليف وله الثواب والعقاب ، كان ذلك حسنا مفيدا مع أن الثواب والعقاب داخلان تحت الخلق ، فكذا هنا وقال آخرون معنى قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ
[ الأعراف : الآية 54 ] . وهو أنه إن شاء خلق وإن شاء لم يخلق فكذا قوله :
وَالْأَمْرُ .
يجب أن يكون معناه أنه إن شاء أمر وإن شاء لم يأمر وإذا حصل الأمر ، متعلقا لزم أن يكون ذلك الأمر مخلوقا كما أنه لما كان حصول المخلوق متعلقا بمشيئته كان مخلوقا أما لو كان أمر اللّه قديما لم يكن ذلك الأمر بحسب مشيئة ، بل كان من لوازم ذاته فحينئذ لا يصدق عليه أنه إن شاء أمر ، وإن شاء لم يأمر ، وذلك ينفي ظاهر الآية ، والجواب : أنه لو كان الأمر داخلا تحت الخلق كان إفراد الأمر بالذكر تكرارا محضا ، والأصل عدمه أقصى ما في الباب أنا تحملنا ذلك في صورة لأجل الضرورة ؛ لأن الأصل عدم التكرير واللّه تعالى أعلم .

( المسألة الثالثة ) : هذه الآية تدل على أنه ليس لأحد أن يلزم غيره شيئا إلا اللّه سبحانه وتعالى

، وإذا ثبت هذا فنقول فعل الطاعة لا يوجب الثواب ، وفعل المعصية لا يوجب العقاب ، وإيصال الألم لا يوجب العوض ، وبالجملة فلا يجب على اللّه لاحد من العبيد شيء البتة إذ لو كان فعل الطاعة يوجب الثواب لتوجه على اللّه من العبد مطالبة ملزمة ، والإلزام جازم وذلك ينافي قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : الآية 54 ] .

( المسألة الرابعة ) : دلت هذه الآية على أن القبيح لا يجوز أن يقبح لوجه عائد إليه

، وأن الحسن لا يجوز أن يحسن لوجه عائد إليه ؛ لأن قوله :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : الآية 54 ] . يفيد أنه تعالى له أن يأمر بما شاء كيف شاء ولو كان القبيح يقبح لوجه عائد إليه لما صح من اللّه تعالى أن يأمر إلا بما حصل منه ذلك الوجه ولا أن ينهى إلا عما فيه وجه القبح فلم يكن متمكنا من الأمر والنهي كما شاء وأراد مع أن الآية تقتضي هذا المعنى .