تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
في أجرام السماوات أكثر وأعظم وأكمل منها في أبدان الناس ثم إنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس في قوله تعالى :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( 21 ) [ الذّاريات : الآية 21 ] . فما كان أعلى شأنا وأعظم برهانا منها أولى بأن يحب التأمل في أحوالها ومعرفة ما أودع اللّه تعالى فيه من العجائب والغرائب . ( الرابع ) : أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السماوات والأرض فقال :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
[ آل عمران : الآية 191 ] . ولو كان ذلك ممنوعا منه لما فعل . ( الخامس ) : أن من صنف كتابا شريفا مشتملا على دقائق العلوم العقلية والنقلية بحيث لا يساويه كتاب في تلك الدقائق فالمعتقدون في شرفه فضيلته فريقان ، منهم من يعتقد كونه كذلك على سبيل الجملة من غير أن يقف على ما فيه من الدقائق واللطائف على سبيل التفصيل ، والتعين ومنهم من وقف على تلك الدقائق على سبيل التفصيل والتعين ، واعتقاد الطائفة الأولى وإن بلغ إلى أقصى الدرجات في القوة والكمال إلا أن اعتقاد الطائفة الثانية يكون أكمل وأقوى وأوفى ، وأيضا فكل من كان وقوفه على دقائق ذلك الكتاب ولطائفه أكثر كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل . إذا ثبت هذا فنقول من الناس من اعتقد أن جملة هذا العالم محدث ، وكل محدث فله محدث ، فحصل له بهذا الطريق إثبات الصانع تعالى ، وصار من زمرة المستدلين ، ومنهم من ضم إلى تلك الدرجة البحث عن أحوال العلم العلوي والعالم السفلي على سبيل التفصيل ، فيظهر له في كل نوع من أنواع هذا العالم حكمة بالغة وأسرار عجيبة ، فيصير ذلك جاريا مجرى البراهين المتواترة والدلائل المتوالية على عقله فلا يزال ينتقل كل لحظة ولمحة من برهان إلى برهان آخر ، ومن دليل إلى دليل آخر ، فكثرة الدلائل وتواليها له أثر عظيم في تقوية اليقين وإزالة الشبهات ، فإذا كان الأمر كذلك ظهر أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذه الفوائد والأسرار .

( المسألة الثالثة ) : [ في أقوال المفسرين ]

تقدم تفسير قوله تعالى :
مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ
[ الأعراف : الآية 54 ] . بما سبق ذكره مفصلا وأما المفسرون فلهم فيه وجوه : ( أحدها ) : المراد نقاذ إرادته لأن الغرض من هذه الآية تبين عظمته وقدرته وليس المراد من هذا الأمر الكلام . ونظيره قوله تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[ فصّلت : الآية 11 ] وقوله :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 40 ) [ النّحل : الآية 40 ] . ومنهم من حمل هذا الأمر على